حكم العقل الذي أنكره الكيا وأهل نزعته ] .
[ قال الكيا : ] وعند هذا يسأل المستطرقون فيقولون : ما الواجب الذي هو طاعة وليس بقربة ؟ وجوابه أنّ النظر الذي هو أوّل الواجبات طاعة وليس بقربة ؛ لأنّه ينظر [ الناظر ] للمعرفة وليس بقربة ؛ فهو مطيع وليس بمتقرّب لأنّه إنّما يتقرّب إلى من يعرفه
[ ثمّ ] قال [ الكيا الهراسي ] : وقد ذكر شيخنا الإمام في هذا المقام شيئا حسنا فقال : قبل مجيء الرسول تتعارض الخواطر والطرق ؛ إذ ما من خاطر يعرض له إلّا ويمكن أن يقدر أن يخطر خاطر آخر على نقيضه فتتعارض الخواطر ويقع العقل في حيرة ودهشة ؛ فيجب التوقّف إلى أن تنكشف الغمّة ؛ وليس ذلك إلّا بمجيء الرسول ؛ وهاهنا قال الأستاذ أبو إسحاق : « إنّ قول :
( لا أدري نصف العلم ) معناه أنّه انتهى علمي إلى حدّ وقف عند مجازه العقل ؛ وهذا إنّما يقوله من دقّق في العلم وعرف مجاري العقل ممّا لا يجري فيه ويقف عنده » انتهى .
وقال الإمام فخر الدين الرازي في [ كتاب ] المحصول : شكر المنعم لا يجب عقلا ؛ خلافا للمعتزلة ؛ لنا أنّه لو تحقّق الوجوب قبل البعثة لعذّب تاركه فلا وجوب ؛ أمّا الملازمة فبيّنة ؛ وأمّا أنّه لا تعذيب فلقوله سبحانه :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ 15 / الإسراء :
17 ] نفى [ اللّه تعالى ] التعذيب إلى غاية البعثة ؛ فينتفي وإلّا وقع الخلف في قول اللّه ؛ وهو محال انتهى .
وذكر أتباعه مثل ذلك كصاحب الحاصل والتحصيل والبيضاوي في منهاجه .
وقال القاضي تاج الدين السبكي في شرح مختصر ابن الحاجب : على مسألة شكر المنعم تتخرج مسألة من لم تبلغه الدعوة ؛ فعندنا [ أنّه ] يموت ناجيا ولا يقاتل حتّى يدعى إلى الإسلام ؛ وهو مضمون بالكفّارة والدية ؛ ولا يجب القصاص على قاتله على الصحيح .
وقال البغوي في التهذيب : أمّا من لم تبلغه الدعوة فلا يجوز قتله قبل أن يدعى إلى الإسلام ؛ فإن قتل قبل أن يدعى إلى الإسلام وجب في قتله الدية والكفّارة ؛ وعند أبي حنيفة لا يجب الضمان بقتله .
وأصله أنّه عندهم محجوج عليه بعقله ؛ وعندنا هو غير محجوج عليه [ بعقله ] قبل بلوغ الدعوة إليه ؛ لقوله [ تعالى ] :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
فثبت أنّه لا حجّة