أخّرنا ذكر ما رواه هاهنا ونقده ؛ إلى وقت فراغي من تحقيق الكتاب بكامله ؛ وصرفنا عنان القلم إلى ذكر ما أفاده الحافظ عبد الرحمن بن أبي بكر جلال الدين السيوطي المتوفّى سنة : ( 911 ) في كتابه : « مسالك الحنفا في [ شأن ] والدي المصطفى » فإنّ جلّ ما أورده فيه موافق للبرهان والحقّ والحقيقة ؛ وبعض ما فيه مما لنا فيه نظر لا يضرّنا ؛ فإنّ المقصد من إيراد رسالته في هذا المقام هو تصديقه في أصل مدّعائه وهو كون والدي النبيّ صلى اللّه عليهم أجمعين من أهل الجنّة ؛ لا في جميع المقدّمات التي أقامها لإثبات هذا المدّعى ؛ وإن كنّا قد أشرنا في بعض الموارد إلى سقم بعض مقدّماته وأدرجناه في كلام السيوطي ووضعناه بين المعقوفات تمييزا ؛ ولكن هذا المقدار لا يفيد لجميع القرّاء ؛ ولعلّ اللّه تعالى أن يوفّقني فيما سيأتي لتحقيقه وبيان الصحيح من مقدّماته وسقيمها تفصيلا ؛ فإنّه المنّان على المؤمنين ؛ ووهّاب العطايا لآمليه والمتمسّكين بشريعته وأوليائه .
ثمّ انّ رسالة الحنفاء للسيوطيّ قد وجدتها في الورق 190 / أ / في ضمن مجموعة من مخطوطات المكتبة الظاهرية ؛ ولكن ذهب عن بالي ذكر معرّفاتها ؛ والكتاب مطبوع بمصر ؛ وكذا طبع في دار الكتب العلمية ببيروت في ضمن كتاب الحاوي للفتاوي : ج 2 ص 202 ، وإليك نصّ الطبعة البيروتية :
[ هذا كتاب ] مسالك الحنفا [ في شأن ] والدي المصطفى
بسم اللّه الرحمن الرحيم ؛ الحمد للّه ؛ وسلام على عباده الذين اصطفى
مسألة : الحكم في أبوي النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أنّهما ناجيان وليسا في النار ؛ صرّح بذلك جمع من العلماء ؛ ولهم في تقرير ذلك مسالك :
المسلك الأوّل أنّهما ماتا قبل البعثة ؛ ولا تعذيب قبلها ؛ لقوله تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ 15 / الأسراء : 17 ] .
وقد أطبقت أئمّتا الأشاعرة من أهل الكلام والأصول ؛ والشافعيّة من الفقهاء على أنّ من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا ؛ وأنّه لا يقاتل حتّى يدعى إلى الإسلام ؛ وأنّه إذا قتل يضمن بالدية والكفّارة ؛ نصّ عليه الإمام الشافعيّ رضي اللّه عنه وسائر الأصحاب .
بل زاد بعض الأصحاب وقال : « إنّه يجب في قتله القصاص » ولكنّ الصحيح خلافه ؛ لأنّه