الفصل الرّابع : في ذكر نظم هذه السورة وتلفيق آياتها وخصائصها
وأمّا الّذي وعدناه من ذكر نظم هذه السورة بعد ذكر فوائدها فهو أحقّ ما نفتتح به بعد الفراغ من ذكر الفوائد ، وإن كنّا قد أوردنا لنظم آيات القرآن كتابا عنوناه بكتاب « المباني لنظم المعاني » وبيّنّا [ هناك ] مقدّمات الكلام في هذا الفنّ الّتي لا يسع لمن يتكلّم في القرآن الإغفال عنها إذ لا بد له منها ، ولا يمكننا « 1 » ذكرها جميعا في هذا الكتاب ، لأنّا أسّسناه في غير ذلك الباب ، إلّا أنّا ذكرنا [ هاهنا ] طرفا من ذكر النظم ، ومن أراد الزيادة عليه فقد هديته إليه ، وقد قيل : أنجز حرّ ما وعد .
وأقول : لمّا قال اللّه سبحانه في آخر سورة
الْقِيامَةِ
[ المتقدّمة على سورة
هَلْ أَتى
] بعد ذكر دلائل البعث والنشور :
أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى
بلفظ الاستفهام على معنى الإثبات ، وإن كان مقارنا بالجحد ، وتأويله :
أنّ الّذي فعل ذلك من تحويل / 118 / النطفة علقة وتحويل العلقة مضغة و [ تحويل ] المضغة عظاما ، هو قادر على أن يحيي الموتى كما قال :
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ
[ 27 / الروم : 30 ] وهذا كما يقال : أليس زيد قائما ؟ ويراد بذلك زيد قائم . قال الشاعر :
ألستم خير من ركب المطايا * وأندى العالمين بطون راح
يريد أنتم خير من ركب المطايا .
وقال اللّه تعالى :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
[ 53 / الأنعام : 6 ] وقال :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ
[ 8 / التين : 95 ] يريد - واللّه أعلم - : أنّ اللّه أعلم بالشاكرين [ وأنّه تعالى أحكم الحاكمين ] ، فلمّا كان ذلك بلفظ الاستفهام فأتبعه بدليل آخر يدلّ عليه فقال :
هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ
، فابتدأ السورة بلفظ « هل » وهي أيضا حرف الاستفهام ليتلافقا ويتشاكلا ويتوافقا ، إلّا
هامش
( 1 ) هذا هو الظاهر ، وفي أصلي : « لم تمكنا » .