أما الوجه الثالث من آياته : فالأخبار في الكتب المتقدمة قبل مبعثه شاهدة لتصديقه وناطقة بنعوته ، ومبينة عن صفاته بما وجدت حقيقة ذلك كله فيه ، وتلك الأخبار ضربان :
أحدهما : ما وجد في الكتب المنزلة من السماء مثل التوراة والإنجيل والزبور وغيرها من كتب شعيا ودانيال .
الضرب الثاني : ما وجد من قبل الكهان والمنامات ، وما روي من حديث سطيح وشق وما أشبه ذلك .
وأما الوجه الرابع : فإخباره عن الحوادث والكوائن التي تكون بعده :
مثل قوله تعالى :
لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ
الآية ، ومثل قوله تعالى :
وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ
الآية ، ومثل قوله تعالى :
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
الآية ، ومثل قوله تعالى :
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ
الآية ، ومثل قوله تعالى :
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا
الآية ، ومثل قوله تعالى :
قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ
الآية ، وما أشبه ذلك من الآيات .
ومن هذا الضرب أيضا : دعواته صلى اللّه عليه وسلم التي لم تخلف قط ، كقوله صلى اللّه عليه وسلم في دعائه لأنس بن مالك : اللّهمّ أكثر ماله وولده ، وكقوله للعباس بن عبد المطلب : لا يفضض اللّه فاك ، وكذلك في النابغة الجعدي ، فكانت أسنانه تزف زفيفا على كبر سنه ، ومات ولم ينفض له سن ، ودعائه صلى اللّه عليه وسلم على قريش بالقحط ، وعلى كسرى أن يمزّق ملكه ، وعلى عتبة بن أبي لهب وأبي جهل ، وما أشبه ذلك .