وأما الوجه الثاني : وهو ما يستدل بالظاهر من أمره على الخفي :
فهو ما وجد فيه من الفضائل والمعالي والمكارم والأخلاق الحسنة الشريفة التي لم تجتمع مثلها في واحد قط ثم يكون مع ذلك كذابا ، ألا ترى إلى قول ابن سلام : أتيت المدينة حين قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجدت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قائما يقول : يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وألينوا الكلام وصلّوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام ، فعلمت أن وجهه ليس بوجه كذاب .
وكان أكثم بن صيفي - وهو من حكماء العرب ، عاش ثلاثمائة وستين سنة ، ولم يكن أحد من العرب يفضل عليه في الحكمة - ، لمّا سمع برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليه ابنه وكتب إليه كتابا ، فأجابه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن كتابه ، فلما ورد عليه ابنه بالكتاب قال لابنه : ما رأيت ؟ قال : رأيته يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن لئامها ، يدعو إلى أن يعبد اللّه وحده لا شريك له ، ويأمر بخلع الأوثان ، فقال : قد علم ذو الرأي والعقل أن الفضل فيما يدعو إليه ، فكونوا في أمره أولا ، ولا تكونوا آخرا ، واتبعوه تشرفوا ، وأتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين ، فإني واللّه أرى أمرا ليس بالهين ، لا يترك مصعدا إلّا صعده ، ولا مضربا إلّا ضربه ، ولينفرن بالمقيم ، إن الذي يدعو إليه لو لم يكن دينا لكان في العقل حسنا ، وإني واللّه أرى أمرا لا يتعبه ذليل إلّا عز ، ولا يخالفه عزيز إلّا ذل ، اتبعوه تزدادوا مع عزكم عزا .
شرح
قوله : « ألا ترى إلى قول ابن سلام » :
خرجناه في باب صفة أخلاقه صلى اللّه عليه وسلم ، وفي باب مقدمه صلى اللّه عليه وسلم المدينة .
قوله : « فأجابه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم » :
تقدم ذلك في أول الكتاب .