وكان من أشد الناس تحريضا على الإمام الرضا البرامكة الذين نسجوا خيوط المؤامرة البشعة على أبيه مستغلين حقد ابن أخيه وحسده له ، فقال له يحيى بن خالد وهو يحاول ان يدفعه عليه ليلحقه بأبيه : هذا علي بن موسى قد قعد مكان أبيه وادعى الامر لنفسه ، فقال : أو ما يكفينا ما صنعنا بأبيه بالأمس ، أتريد ان نقتلهم جميعا ؟
هذه الكلمات من الرشيد ان دلت على شيء فإنها تدل على أنه كان يحس باثم ما ارتكبه مع الإمام الكاظم وربما كان يعيش في صراع مع نفسه ، التي لم تعد قادرة على أن تستوعب اثما جديدا بقتل ولده ، ولكن المحاولات الكثيرة التي كانت تقوم بها حاشيته استطاعت أخيرا ان تدفعه لمحاولة الانتقام منه ، وكانت إرادة الله تحول بينه وبين ما يريد . فقد جاء عن أبي الصلت الهروي أنه قال : كان أبو الحسن الرضا ذات يوم جالسا في بيته إذ دخل عليه رسول هارون الرشيد ، فقال له : أجب أمير المؤمنين ، فقام وقال لي : يا ابا الصلت ان الرشيد لا يدعوني في هذا الوقت الا لداهية ، فو اللّه لا يمكنه ان يعمل بي شيئا أكرهه لكلمات وقعت إلي من جدي رسول اللّه ( ص ) ، ثم خرج وخرجت معه حتى دخل على هارون ، فلما نظر إليه الرضا قرأ تلك الكلمات ، فلما وقف بين يديه نظر إليه وقال : يا أبا الحسن قد أمرنا لك بمائة ألف درهم واكتب لنا حوائج أهلك ، ارجع إلى أهلك ان أحببت ، فلما قام الإمام ليرجع قال الرشيد : أردت امرا وأراد اللّه خلافه وما أراد اللّه الا الخير .
ويبدو ان جماعة من أصحاب الإمام الذين عاشوا مرارة الألم من جراء ما قاساه أبوه الكاظم ( ع ) من الظلم والبلاء من هارون الرشيد كانوا يترقبون له نفس المصير ويحاولون ابعاده عن مواطن الخطر ، فطلبوا منه أكثر من مرة ان يتستر في دعوته ويحتاط لنفسه ولشيعته من أولئك الطغاة الذين لا يرقبون اللّه سبحانه في شيء من أمورهم وتصرفاتهم ، ولكن الإمام الرضا كان يبدو وكأنه تلقى عن آبائه ما سيكون من امره وان الرشيد على ضلاله وطغيانه لن يصل
سيرة الأئمة الاثني عشر ( ع ) — صفحة 368
مساهمون: هاشم معروف الحسني
ص٣٦٨