يا دهر أف لك من خليل * كم لك بالاشراق والأصيل
من صاحب وطالب قتيل * والدهر لا يقنع بالبديل
وكل حي سالك سبيل * ما أقرب الوعد من الرحيل
فخنقتني العبرة فرددتها ولزمت السكوت وعلمت أن البلاء قد وقع وأما عمتي زينب فإنها لما سمعت ما سمعت لم تملك نفسها أن وثبت تجر ذيلها حتى انتهت إليه ونادت وا ثكلاه ليت الموت اعدمني الحياة اليوم ماتت أمي فاطمة وأبي علي وأخي الحسن يا خليفة الماضين وثمال الباقين . فنظر إليها أبي وقال : يا أخية لا يذهبن بحلمك الشيطان وأوصاها بالصبر وحفظ العيال .
وقد روى الإمام علي بن الحسين الكثير من أخبار الطف وما جرى فيه من المعارك وخطبة أبيه في أهل الكوفة قبيل وفاته ، وفي اللحظات الأخيرة من حياة أبيه دخل عليه وأوصاه بوصاياه وسلمه مواريث النبوة وكانت آخر وصية أوصاه بها : يا بني أوصيك بما أوصى به جدك رسول اللّه عليا حين وفاته وبما أوصى به جدك علي عمك الحسن وبما أوصاني به عمك ، إياك وظلم من لا يجد عليك ناصرا إلا اللّه ، ثم ودعه ومضى إلى المعركة الأخيرة التي قتل فيها .
وهو الذي دفن أباه الحسين والقتلى من أهله وأنصاره كما في أكثر الروايات الشيعية وأخبر بني أسد بقبور الشهداء وأسمائهم وكانوا قد حضروا لدفنهم في اليوم الثالث أو الثاني عشر من المحرم ، وإذا صح أنه هو الذي تولى دفنهم فخروجه بالطريقة التي يرويها الرواة لا تفسير لها إلا بمشيئة اللّه .
ولما دخل هو وعماته الكوفة اجتمع عليهم الناس فهالهم ذلك المشهد وجعلوا يبكون وينوحون ، فأومأ إلى الناس أن اسكتوا ، ووقف وهو عليل قد أنهكه المرض فحمد اللّه وأثنى عليه وذكر النبي وصلى عليه ، ثم قال : أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا اعرفه بنفسي ، أنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنا ابن من انتهك حريمه وسلب نعيمه وانتهب ماله وسبي عياله ، انا ابن المذبوح بشط الفرات ، انا ابن من قتل جرا وكفى بذلك