حتّى عبرنا نهر بلخ ليلا فذهب مولى الجارية يحصل لنا شيئا ويقتبس لنا نارا فأخذت الجارية إلى غيظة كانت هناك وواقعتها وانصرفت إلى موضعي ثمّ أتى مولاها وقدمنا العراق وما علم به أحد ثمّ حججنا من قابل فأدخلته عليه فقال : نستغفر اللّه ولا نعود فاستقامت طريقته « 1 » .
أقول : هذا حاله عليه السّلام في اطّلاعه على كلّ واحد من شيعته وغيرهم ، ولعلّ من يتذكّر هذا الحال وقت اكتساب الذنب يرجع عنه وإن كان العالم على الإطلاق موجودا في السرّ والعلن إلّا أنّ كثيرا من الناس يلاحظ اطّلاع البشر ويخاف منه أشدّ من خوفه من اللّه سبحانه .
وعن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : كان أبو عبد اللّه البلخي معه فانتهى إلى نخلة خاوية فقال : أيّتها النخلة السامعة المطيعة لربّها أطعمينا ممّا جعل اللّه فيك ، قال :
فتساقط علينا رطب مختلف ألوانه فأكلنا حتّى شبعنا فقال البلخي : جعلت فداك كسنة فيكم سنة مريم « 2 » .
أقول : في خطابه سبحانه للنخلة بالسمع والطاعة لربّها دلالة على أنّ الجمادات من الأشجار وغيرها لها نوع من المعرفة لخالقها والإطاعة لربّها عزّ شأنه
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
« 3 » حتّى قالوا : إنّ الإعجاز في تسبيح الحصا بيده صلّى اللّه عليه واله إنّما كان في إسماع الصحابة لا في أصل التسبيح ، وقد صنّف الحكيم أبو علي بن سينا رسالة في أنّ الحيوان يعشق والنبات والجمادات تعشق وأكثر عليه من الدلائل ، ولا شكّ أنّ علم العشق علم خاص فوق كثير من العلوم فمن كان له علم العشق كيف لا يكون له علم المعرفة بالخالق وقد حقّقنا هذا المقام في كتاب زهر الربيع بما لا مزيد عليه ونقلنا الأخبار الدالّة عليه وكلام الحكماء من المتقدّمين والمتأخّرين القائلين به .
وعن أبي بصير قال : حججت مع أبي عبد اللّه عليه السّلام .
فلمّا كنّا في الطواف قلت : يا ابن رسول اللّه يغفر اللّه لهذا الخلق ؟
فقال عليه السّلام : يا أبا بصير أكثر من ترى قردة وخنازير ، فقلت : أرينيهم ، فتكلّم بكلمات
هامش
( 1 ) - بصائر الدرجات : 269 ، وبحار الأنوار : 47 / 75 .
( 2 ) - دلائل الإمامة : 268 ح 35 ، وبحار الأنوار : 47 / 76 ح 45 .
( 3 ) - سورة الإسراء : 44 .