من أبيه أن يدله على الموضع الذي اختفى فيه عمه عيسى ليمضي إليه ويراه فأبى أبوه أن يخبره بذلك خوفا على عيسى من أن يظهر أمره فتعرفه السلطة وبعد الالحاح عليه قال له : إن هذا أمر يثقل عليه وأخشى أن ينتقل عن منزله كراهية للقائك إياه فتزعجه ، فتلطف يحيى بأبيه مدة من الزمن حتى طابت نفسه فأجابه إلى ذلك وجهزه إلى الكوفة وقال له :
إذا صرت إلى الكوفة فاسأل عن دور « بني حي » فإذا دللت عليها فاقصدها في السكة الفلانية ، وسترى في وسط السكة دارا لها باب صفته كذا فأعرفه واجلس بعيدا منها في أول السكة فإنه سيقبل عليك عند المغرب كهل طويل مسنون الوجه « 1 » قد أثر السجود في جبهته ، عليه جبة صوف يستقي الماء على جمل ، وقد انصرف يسوق الجمل ، لا يضع قدما ، ولا يرفعها إلا ذكر اللّه - عز وجل - ودموعه تنحدر على وجهه ، فقم وسلم عليه وعانقه ، فإنه سيذعر منك كما يذعر الوحش ، فعرفه نفسك ، وانتسب له فإنه يسكن إليك ويحدثك طويلا ، ويسألك عنا جميعا ويخبرك بشأنه ، ولا يضجر بجلوسك معه ، ولا تطل عليه وودعه ، فإنه يستعفيك من العودة إليه ، فافعل ما يأمرك به من ذلك ، فإنك إن عدت إليه توارى عنك ، واستوحش منك ، وانتقل عن موضعه ، وعليه في ذلك مشقة .
وخرج يحيى قاصدا إلى الكوفة فلما انتهى إليها قصد سكة بني حي بعد العصر فجلس خارجها بعد أن تعرف على البيت فلما غربت الشمس أقبل عيسى على وصف الحسين لا يرفع قدما ، ولا يضعها حتى يذكر اللّه تعالى ودموعه تترقرق في عينيه فقام إليه يحيى فعانقه فذعر عيسى منه ، فقال له :
يا عم ، أنا يحيى بن الحسين بن زيد بن أخيك .
هامش
( 1 ) وفي رواية مستور الوجه .