فقام إليه وهو ثائر لم يملك أعصابه قد تغيرت أحواله ، فبادره مسرور قائلا له :
« يا أمير المؤمنين ! قد انتهى كل شيء ، ورأس جعفر قريب منك » ففهم هارون الأمر ، فوعده بالقتل على تأخيره لحكم الاعدام قائلا له :
« نفيت من المهدي ، إن أنت جئتني ولم تأتني برأسه لأرسلن إليك من يأتيني برأسك - أولا - ثم برأسه آخرا » .
فخرج ونفذ بالفور ما امر به وحمل رأس جعفر إليه .
وبقي الرشيد ليلته لم يذق طعم الرقاد ينتظر بفارغ الصبر ضوء الصباح وقبل أن يندلع نور الفجر أمر هرثمة بن أعين بحمل جثة جعفر وإعطائها إلى مدير الشرطة العام : السندي بن شاهك ، ليعلق رأسه في الساحة الوسطى من مدينة المنصور ، ويقسم جثته إلى نصفين فيصلب كل نصف منها على رأس جسر في بغداد ، كما أمره باعلان حالة الطوارئ وأن يكون الجيش على أهبة الاستعداد خوفا من الانتفاضات الشعبية ، كما فرض المراقبة الشديدة على الجيش خوفا من تمرده وعصيانه ، وأمر بالوقت بتطريق دور البرامكة ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة ، واعتقالهم وزجهم في ظلمات السجون .
وانتشر حديث البرامكة في شرق البلاد وغربها ، وصار أحدوثة المجالس ، بل حديث الأجيال والأحقاب ، فذابت قلوب أنصارهم واخوانهم وشمت بهم خصومهم وحسادهم ، فقد اندك ذلك الحصن المنيع الشامخ ، وذهبت صولة البرامكة أدراج الرياح .
إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن نكبة البرامكة ، وقد دلت على بطش هارون وفتكه وكيده ، فقد أنزل العقاب الصارم بأحب الناس إليه ، وبذلك يعلم مدى القسوة البالغة التي عامل بها العلويين وشيعتهم ، فقد استعمل جميع إمكانياته في إرهاقهم وذعرهم والبطش بهم ، وكانت محنة الامام
حياة الإمام موسى بن جعفر ( ع ) — صفحة 219
مساهمون: الشيخ باقر شريف القرشي
ص٢١٩