بلاطه مستأذنا فلم يأذن له بالدخول والخراسانيون وغيرهم يدخلون ويخرجون بلا عناية وهم يستهزءون به ويسخرون منه ، ورآه بعض أصدقائه وهو بتلك الحالة من الذل والهوان فقال له :
- كيف ترى ما أنت فيه من هذه الدولة ؟
فانبرى مجيبا بهذه الأبيات التي ارتجلها وهو يصور ما هو فيه :
أكثر خلق اللّه بي لا يدري * من أي خلق اللّه حين يلقى
وحلة تنشر ثم تطوى * وطيلسان يشترى فيغلى
لعبد عبد أو لمولى مولى * يا ويح بيت المال ما ذا يلقى « 1 »
إن الذي دعا المنصور إلى الاستهانة بهذه الطبقة المثقفة هو البخل والشح .
وروى المؤرخون من شحه وقطيعته للشعراء : أن المؤمل بن أميل قدم على المهدي ولي عهد المنصور فمدحه بقصيدة رائعة ملكت مشاعره فأعطاه عشرين ألف درهم ، ورفع صاحب البريد رسالة إلى المنصور يحيطه علما بالامر ، فلما انتهت إليه وعلم بالحال تميز غيظا ورفع من فوره رسالة إلى ولده يندد فيها بفعله وقد جاء فيها « انما كان ينبغي لك أن تعطي الشاعر بعد أن يقيم ببابك سنة أربعة آلاف درهم » .
وكتب إلى كاتب المهدي ان يبعث إليه الشاعر فورا فطلبه الكاتب فلم يظفر به ، فأخبره أنه توجه إلى مدينة السلام ، فبعث أحد ضباط جيشه مع دورية من الشرطة وأمرهم بالقاء القبض عليه فأقاموا بجسر النهروان فلا يجتاز عليهم أحد الا سألوه عن اسمه ، فاجتاز عليهم المؤمل فسألوه عن اسمه فأخبرهم به ، فألقوا عليه القبض فكادت روحه أن تزهق من الخوف والذعر وجاءوا به إلى الربيع حاجب المنصور فانبرى إلى المنصور فأخبره
هامش
( 1 ) الأغاني : ( ج 18 ص 148 ) .