فلذعه هذا المنطق الرخيص وانبرى قائلا :
« أتأمرونني أن أطلب النصر بالجور . . » « 1 »
ان تفضيل العرب على الموالي ، ومنح الأموال للوجوه كل ذلك جور واعتداء على حقوق المسلمين في نظر ابن أبي طالب رائد المساواة والعدالة الكبرى في الأرض .
ان أموال المسلمين يجب أن تنفق على مصالحهم ، وضمان عائلهم ومحرومهم ، وليس لزعيم الدولة أن يصطفي منها ، أو يؤثر بها أقاربه ومن يمت إليه ، فان ذلك خيانة للّه وللمسلمين ، وقد طبق الامام أمير المؤمنين هذه السياسة العادلة على واقع الحياة حينما آل إليه الأمر ، فإنه لم يقتن الدور والضياع ، ولم يرفّه على نفسه فيعير لبالي ثوبه اهتماما ، أو يأكل ما لذّ من الطعام ، أو يتمتع بشيء من متع الحياة ، وإنما كان يعيش عيشة الفقراء والبؤساء ، فقد روى هارون عن أبيه عنترة قال دخلت على علي وهو بالخورنق ، وعليه خلق قطيفة ، وكان الوقت شديد البرد فقلت له :
« يا أمير المؤمنين إن اللّه قد جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا ، وأنت تفعل هذا بنفسك » .
فانبرى ( ع ) مجيبا له :
« واللّه ما أرزأكم شيئا وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة . » « 2 »
انه ليس عنده من اللباس ما يقيه من البرد سوى خلق قطيفة جاء بها من يثرب ، وفي استطاعته أن يلبس الحرير الموشى ، ولكنه أبى أن يصطفي من أموال المسلمين شيئا ، كما أنه لم يؤثر بها أحدا من أهل بيته وأبنائه ،
هامش
( 1 ) شرح ابن أبي الحديد 1 / 182 .
( 2 ) الكامل 8 / 173 .