ولم يكتف معاوية بذلك فأرسل جيشا جرارا بقيادة سفيان بن عوف للإغارة على أهل العراق في عقر دارهم فغزى جيشه هيت « 1 » والأنبار « 2 » وقد أوقع بنفوس أهليهما قتلا فظيعا ، وبأموالهم أضرارا جسيمة ، ولما انتهت الانباء إلى الامام بلغ منه الحزن أقصاه لأنه يرى الباطل قد قويت شوكته ولا يمكنه تحطيمه والقضاء عليه ، وينظر إلى أصحابه وقد امتلأت قلوبهم خوفا وذلا وجبنا ، فصعد عليه السلام على المنبر فخطبهم بخطاب رائع مثل ما في نفسه من هم مقيم وأسى شديد ، وصور ما في نفوس أصحابه من خنوع وخور وتخاذل قائلا :
« ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارا ، وسرا واعلانا ، وقلت لكم : اغزوهم قبل أن يغزوكم فو اللّه ما غزى قوم في عقر دارهم الا ذلوا « 3 » فتواكلتم ، وتخاذلتم حتى شنت الغارات عليكم ، وملكت عليكم الأوطان . وهذا أخو غامد « 4 » وقد وردت خيله الأنبار
هامش
( 1 ) هيت بكسر الهاء قال ابن السكيت : إنما سميت هيت بهذا الاسم لأنها في هوة من الأرض ، وقد انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها ، وهي بلدة من نواحي بغداد فوق الأنبار وهي ذات نخل كثير وخيرات واسعة جاء ذلك في المعجم ج 8 ص 486 .
( 2 ) الأنبار : بفتح أوله ، مدينة . على الفرات تقع في غربي بغداد بينهما عشرة فراسخ ، وكان أول من عمرها سابور بن هرمز ذو الأكتاف ثم جددها أبو العباس السفاح أول خلفاء بني العباس وبنى بها قصورا ، وقام بها إلى أن مات ، معجم البلدان 1 / 340
( 3 ) عقر الدار : بالضم وسطها وأصلها .
( 4 ) أخو غامد : هو سفيان بن عوف من بني غامد قبيلة من اليمن