إن هذه الحكم التي تضمنها كلامه الشريف هي برامج السعادة وخلاصة الحكمة والآداب والتهذيب ، ويعرب « ع » في كلماته الآتية عن بلوغه سن الشيخوخة وهو يخاف أن يهجم عليه الموت دون أن يدلى بهذه الحكم إلى ولده فيقول :
« . . أي بنى ، إني لما رأيتني قد بلغت سنا « 1 » ورأيتني أزداد وهنا بادرت بوصيتي إليك ، وأوردت خصالا منها قبل أن يعجل بي أجلى دون أن أفضى « 2 » إليك بما في نفسي ، وأن انقص « 3 » في رأيي كما نقصت في جسمي ، أو يسبقني إليك بعض غلبات الهوى ، أو فتن الدنيا « 4 » ، فتكون كالعصب النفور « 5 » ، وإنما قلب الحدث كالأرض الخالية ، ما القى فيها من شيء قبلته . فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبك . لتستقبل بجد رأيك من الأمر ما قد كفاك أهل التجارب بغيته « 6 » وتجربته ، فتكون قد كفيت مؤونة الطلب وعوفيت من علاج التجربة ، فأتاك من ذلك ما قد كنا نأتيه ، واستبان لك ما ربما اظلم علينا منه . . »
انه عليه السلام لما طعن في السن أراد أن يضع في نفس ولده ما استقر في نفسه الشريفة من الآداب والكمال ، ويغذيه بأطرف الحكم ويلمسه
هامش
( 1 ) اي وصلت النهاية من جهة السن .
( 2 ) افضى : القى إليك .
( 3 ) ( وان انقص ) معطوف على ( ان يعجل ) .
( 4 ) اي يسبقني بالاستيلاء على قلبك غلبات الأهواء فلا تتمكن نصيحتى من النفوذ إلى فؤادك .
( 5 ) الصعب الفرس غير المذلل ، والنفور ضد الأنس .
( 6 ) البغية : بالكسر والضم : الطلبة والحاجة .