تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية ) — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
بحقيقة النّبوّة من لم يذق شيئا من سلوك طريق أهل اللّه تعالى ، وأولياء اللّه تعالى ، برياضة الأنفس وتزكيتها ، وتصفية القلوب ، وتهذيب الأخلاق . لأن كرامات الأولياء على التّحقيق بدايات الأنبياء ، وقد كان ذلك أوّل حال نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، حيث كان يتعبّد في ( حراء ) ، وكان يؤثر العزلة للخلوة بربّه ، والتّجرّد والتّبتّل ؛ وهو الانقطاع عن الخلائق إلى الخالق ، وهو الذّهاب إلى اللّه تعالى ، الّذي أشار إليه الخليل عليه الصّلاة والسّلام بقوله :
وقال إِنِّي ذاهِب إِلى رَبِّي سَيَهْدِين

[ سورة الصّافّات 37 / 99 ] . فمن مارس تلك الطّريق اتّضح له طرف من حقيقة النّبوّة ، ما هي وخاصّيّتها بالكشف والعيان ، ومن لم يبلغ هذه الرّتبة فلا بدّ له من التّنبيه على أصلها وإمكانها ، ثم وجودها عموما ، ثم لشخص معيّن ، بإقامة البرهان ، لشدّة مسيس الحاجة إليها . وأمّا دليل أصلها : فكل عاقل قاطع بأن الإنسان أوّل ما يدرك من مراتب العلم في صغره / وطفوليّته العلم بالحواس الخمس ، الّتي هي . السّمع ، والبصر ، والشّم ، والذّوق ، واللّمس . فيدرك بكل واحدة من هذه عالما لا يدركه بالأخرى ، ومن تعطّلت عليه حاسّة منها - كالبصر مثلا - لم يدرك ما حقيقة الألوان ، إلّا بسماعها بالتّواتر ، فإنكاره لها مكابرة جاهل بما لم يعلم ، وتكذيب بما لم يحط بعلمه ، وقد أحاط به غيره ، فيحتج عليه المبصر بأن عندك حاسّة الشّم وزيد أخشم « 1 » لا يفرّق بين رائحة المسك والجيفة ، فما ذا نقول له لو زعم التّسوية بين المسك والجيفة ؟

هامش
( 1 ) الأخشم : من أصابه داء في أنفه فأفسده ، فصار لا يشم .
حدائق الأنوار ومطالع الأسرار في سيرة النبي المختار ( المسمى تبصرة الحضرة الأحمدية الشّاهدية بسيرة الحضرة الأحمدية النبوية ) — صفحة 124 | محمد بن عمر بن مبارك الحضرمي ( بَحرَق اليمني )