والجواب عنه أوّلا : إنّ البحث الاصوليّ المذكور لا يمسّ المهمّ من بحث أسباب النزول ، لأنّ البحث الاصوليّ يتوجّه إلى شمول الأحكام المطروحة في الآيات لغير مواردها ، وعدم شمولها ، فالبحث يعود إلى أنّ الآية هل تدلّ على الحكم في غير موردها أيضا كما تشمل موردها ، أو لا تشمل إلّا موردها دون غيره ؟
ففي صورة الشمول لغير موردها أيضا ، يمكن الاستدلال بظاهرها الدالّ بالعموم اللفظيّ على الحكم في غير المورد .
وأمّا بالنسبة إلى نفس المورد فلا بحث في شمول الآية له ، فإنّ شمول الآية له مقطوع به ومجزوم بإرادته ، بدلالة نصّ الآية ، وهي قطعيّة لا ظنّية ؛ حيث أنّ المورد لا يكون خارجا عن الحكم قطعا ، لأنّ إخراجه يستلزم تخصيص المورد ، وهو من أقبح أشكال التخصيص وفاسد بإجماع الأصوليّين .
قال المقدسيّ في ذيل كلامه السابق ، في حديث له عن الآيات النازلة للأحكام في الموارد الخاصّة ، ما نصّه : فاللفظ يتناولها [ أي الموارد الخاصّة ] يقينا ، ويتناول غيرها ظنّا ، إذ لا يسأل عن شيء فيعدل عن بيانه إلى غيره . . . فنقل الراوي للسبب مفيد ليبيّن به تناول اللفظ له يقينا ، فيمتنع من تخصيصه [ 1 ] .
وقال السيوطيّ : إذا عرف السبب قصر التخصيص على ما عدا صورته ، فإنّ دخول صورة السبب قطعيّ وإخراجها بالاجتهاد ممنوع كما حكى الإجماع عليه القاضي أبو بكر في « التقريب » ولا التفات إلى من شذّ فجوّز
هامش
[ 1 ] روضة الناظر ( ص 206 ) .