تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير الحبري — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠

2 - طرق إثباتها

لا ريب أنّ تعيين أسباب النزول وتمييز الصّحيح منها عن ما ليس بسبب ، عند الاختلاف ، يحتاج إلى طرق مشخّصة ، سنستعرضها فيما يلي : ولكنّي أرى أنّ أهمّ شيء يجب تحصيله في هذا المجال هو تحديد المقصود لكلمة « أسباب النزول » لكي نعتمد خلال البحث والمناقشة معنى واحدا ، فلا تختلط موارد النفي والإثبات ، ولا تتداخل الأدلّة والردود . نقول : إنّ الظاهر من كلمة « سبب » هو العلّة الموجبة لوجود الشيء . ولو التزمنا بهذا المعنى فإنّ ذلك يقتضي حصر موضوع « أسباب النزول » بما كان علّة لنزول الآية ، وأنّ الآية نزلت من أجله ، وعليه فإنّ أسباب النزول هي القضايا والحوادث التي وردت الآيات من أجلها وفي شأنها ، أو نزلت مبيّنة لحكم ورد فيها ، أو نزلت جوابا عن سؤال مطروح . لكن لا بدّ من الإعراض عن هذا الظاهر ، لأنّ الالتزام بهذا المعنى غير صحيح لوجهين : الأوّل : إنّ هذا المعنى بعيد أن يقصده علماء الإسلام وخاصّة في مجال علوم القرآن ، لأنّ السبب بهذا المعنى اصطلاح فلسفيّ لم يتداوله المسلمون إلّا في القرون المتأخّرة ، وعلى ذلك : فلا بدّ من حمل كلمة « سبب » على معناها اللّغويّ ، وهو « ما يتوصّل به إلى أمر » ، وهذا يعمّ ما فيه سببيّة بالمصطلح الفلسفيّ ، أو يكون مرتبطا به بشكل من الأشكال ، فسبب النزول هو « كلّ ما يتّصل بالآية من القضايا والحوادث والشؤون » ، سواء كانت علّة نزلت الآية من أجلها ، أو لم تكن كذلك ، بل ارتبطت بالنزول ولو بنحو الظرفيّة المكانيّة أو الزمانيّة أو الاقتران ، وما شابه ذلك .