وكذلك الإيمان حتى يخالط القلوب لا ينقضه أحد . وسألتك هل يغدر فزعمت أن لا ، وكذلك الرسل لا يغدرون . وسألتك هل قاتلكم وقاتلتموه فزعمت أن قد فعل وأن حربكم دولا ، وكذلك الرسل قد تبتلى ويكون لها العاقبة . وسألتك عما يأمركم فزعمت أنه يأمر أن تعبدوا اللّه وحده وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء وأداء الأمانة ، وهذه صفة النبيّ قد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم . وإن يكن ما قلت حقا فيوشك أن يملك موضع قدميّ هاتين ، واللّه لو أرجو أن أخلص إليه لتجشمت لقاءه ، ولو كنت عنده لغسلت قدميه . قال أبو سفيان : ثم دعا بكتاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فأمر به فقرئ إلى أن انتهى منه إلى قوله :
« يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ »
« 1 » قال أبو سفيان : فلما قضى مقالته علت أصوات الذين حوله من عظماء الروم وكثر لغطهم فما أدري ما قالوا ، وأمر بنا فأخرجنا ، فلما خرجت مع أصحابي وخلصت بهم قلت : لقد أمر أمر بن أبي كبشة ، هذا ملك بني الأصفر يخافه .
وقال أبو سفيان لأصحابه : واللّه لولا الحياء من أن يأثروا عني الكذب لحدثته عنه حين سألني ، ولكني استحييت أن يأثروا عني الكذب فصدقت عنه ، ولم يمكني كلمة « 2 » أدخل فيها شيئا أنتقص محمدا فيه أخاف أن يؤثر عني غيرها حين قال لي : فهل يغدر قلت : لا ، ونحن الآن / منه في هدنة ، ونحن نخاف أن يغدر .
هامش
( 1 ) آل عمران 64
( 2 ) لعلها : إلا كلمة لأن سياق الكلام يستدعي ذلك .