في العصور السابقة عليه .
وفي الحق أن عددا مما جاء به الاسلام من تعاليم ، كان متعذرا جدا أن يستوعب البشر معناها يومئذ استيعابا كافيا . . . إلى حد ستكون الدعوة إلى تلك الأحكام منشأ للغرابة في ذلك العصر ، مما يجعل مجرد الايمان بها صعبا فضلا عن استيعابها الدقيق ، فضلا عن تطبيقها الشامل . وحسبنا في هذا الصدد استعراض جوانب أربعة :
الجانب الأول :
إن مستوى العقيدة الإلهية التي جاء بها الإسلام من التجريد والتوحيد الخالصين ، لم يكن موجودا بوضوح في الشرائع السابقة . وإنما كانت هذه العقيدة في تطور مستمر ، في ألسنة الأنبياء على مرور الزمن ، إذ يعطي كل نبي من تلك العقيدة ما يناسب المستوى الثقافي والفكري الذي وصلت إليه البشرية في خطها التربوي الطويل .
وهذا واضح جدا لمن استعرض دعوات الأنبياء المتسلسلين . فنرى الأنبياء السابقين على موسى بن عمران لا يكادون يذكرون من صفات اللّه تعالى إلا ما كان ظاهرا من آثاره وأفعاله عز وجل . من أنه
يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً . ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً ، وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً . أَ لَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً
« 1 » .
إلا ما كان من محاولة إبراهيم الخليل عليه السلام من محاولة البرهنة على التوحيد ، على شكل بسيط النتائج بالنسبة إلى ما جاء به الاسلام من صفات .
ثم أننا نجد اليهود الآن يؤمنون ببعض أشكال التجسيم ، ونجد المسيحيين يؤمنون ببعض أنحاء التعدد . وهذه بالرغم من أنها عقائد باطلة نعلم باليقين أنها لم ترد في شرائعهم وتعاليم أنبيائهم . إلا أنهم ، على أي حال ، لم يجدوا في ما بلغهم عن أنبيائهم ما ينافي ذلك ، أو يكون دليلا صريحا على بطلانه . وإلا لم يكونوا
هامش
( 1 ) نوح : 71 / 11 - 16 .