عيسى عليه السّلام ، فكما جاز بقاؤه في السماء والحال هذه ، فكذلك المهديّ في السرداب « 1 » .
فإن قلت : إنّ عيسى عليه السّلام يغذّيه ربّ العالمين من خزانة غيبه ، قلت : لا تفنى خزائنه بانضمام المهديّ إليه في غناه . فإن قلت : إنّ عيسى خرج عن طبيعته البشريّة قلت : هذه دعوى باطلة ، لأنّه تعالى قال لأشرف الأنبياء :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ
« 2 » .
فإن قلت : اكتسب ذلك من العالم العلويّ ، قلت : هذا يحتاج إلى توقيف ، ولا سبيل إليه .
والثاني بقاء الدجّال في الدير على ما تقدّم بأشدّ الوثاق مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد ، وفي رواية : في بئر موثوق . وإذا كان بقاء الدجّال ممكنا على الوجه المذكور من غير أحد يقوم به ، فما المانع من بقاء المهديّ عليه السّلام مكرّما من غير الوثاق ، إذ الكلّ في مقدور اللّه تعالى ، ثبت أنّه غير ممتنع شرعا ولا عادة .
ثمّ ذكر بعد هذه الأبحاث خبر سطيح وأنا أذكر موضع الحاجة إليه ، ومقتضاه إنّه يذكر لذي جدن الملك وقائع وحوادث تجري وزلازل من فتن ، ثمّ أنّه يذكر خروج المهديّ عليه السّلام وأنّه يملأ الأرض قسطا وعدلا ، وتطيب الدنيا وأهلها في أيّام دولته ، وروى عن الحافظ محمّد بن النجّار أنّه قال : هذا من المطوّلات المشهورة التي ذكرها الحفّاظ في كتبهم ولم يخرج في الصحيح . آخر البيان في أخبار صاحب الزمان . إنتهى كلام أبي عبد اللّه الكنجي الشّافعيّ « 3 » .
قال الشيخ الفاضل عليّ بن عيسى في كتاب كشف الغمّة بعد أن نقل عن أبي عبد اللّه الكنجي الشّافعيّ ما ذكرناه قال : هذه الأبحاث لا تثبت لنا حجّة ولا تقطع الخصم ولا تضرّه ، لما يرد عليها من الايرادات وتطويله في إثبات بقاء المسيح عليه السّلام وإبليس والدجّال ، فهي مثل الضروريّات عند المسلمين ، فلا حاجة إلى التكلّف لتقريرها ، والجواب المختصر ما ذكرته آنفا وهو النقل قد ورد به من طرق المؤالف والمخالف ، والعقل لا يحيله ، فوجب القطع به .
فأمّا قوله : إنّ المهديّ عليه السّلام في سرداب وكيف يمكن بقاؤه من غير أحد يقوم بطعامه وشرابه ،
هامش
( 1 ) - ليس في الشيعة من يقول بهذا القول ، وانّما هو تهمة ألصقها بهم أعداؤهم . وسيأتيك ردّ العلّامة الأربلي عليه بعد قليل .
( 2 ) - الكهف / 110 .
( 3 ) - البيان ، آخر الباب الخامس والعشرين .