فأنزل اللّه عز وجل
« إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ »
العشر الآيات فلما أنزل اللّه هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره واللّه لا أنفق على مسطح شيأ أبدا بعد ما قال لعائشة ما قال فأنزل اللّه تعالى
« وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ »
إلى قوله
« غَفُورٌ رَحِيمٌ »
فقال أبو بكر بلى واللّه إني لاحب أن يغفر اللّه لي فرجع إلى مسطح الذي كان يجرى عليه وقال واللّه إني لا أنزعها منه أبدا قالت عائشة وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمرى فقال يا زينب ما علمت ما رأيت قالت يا رسول اللّه أحمي سمعي وبصرى واللّه ما علمت عليها الا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبيّ صلى اللّه عليه وآله وسلم فعصمها اللّه بالورع قالت وطفقت أختها حمنة تجاوب لها فهلكت
شرح
وكان نزول براءة عائشة بعد قدومهم المدينة بسبع وثلاثين ليلة ( وأنزل اللّه عز وجل إلى آخره ) قال في التوشيح قال الزمخشري لم يقع في القرآن من التغليظ في معصية ما وقع في قصة الإفك بأوجز عبارة وأشبهها لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ والزجر العنيف واستعظام ذلك واستبشاعه بطرق مختلفة وأساليب متفقة كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع من وعيد عبدة الأوثان الا بما هو دون ذلك وما ذاك الا لاظهار علو منزلة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ويظهر من هو منه بسبيلإِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِأي بالكذب سمى افكا لكونه مصروفا عن الحق (عُصْبَةٌ مِنْكُمْ) أي جماعة ( العشر الآيات ) إلى قولهوَأَنَّ اللَّهَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ( فائدة ) قال بحرق في سيرته لا يخفي ان بين حديث نزول سورة المنافقين وحديث الإفك مناسبة من وجوه منها انهما وقعا معا في الرجوع من غزوة واحدة ومنها ان سورة المنافقين في براءة زيد بن أرقم عن الإفك وهو الكذب المتهم به وحديث الإفك في براءة عائشة مما قذفت به انتهى قلت ومنها تقاربهما في عدد الآي ومنها تكذيب ابن أبي فيها فقال تعالى في الإفكفَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَوقال في سورة المنافقينوَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ( وكان ينفق على مسطح إلى آخره ) قال في التوشيح يؤخذ منه مشروعية تلك المؤاخذة بالذنب ما دام احتمال عدمه موجودا لان أبا بكر لم يقطع نفقته عن مسطح الا بعد تحقق ذنبه فيما وقع منه ( فانزل اللّه ولا يأتل ) أي لا يحلف والالية اليمين قال ابن المبارك هذه أرجى آية في كتاب اللّه ( فرجع ) أي رد ( أحمي سمعي بصري ) من الحماية أي لا أقول سمعت ولم أسمع وأبصرت ولم أبصر ( تساميني ) تعاليني من السمو وهو العلو أي تطلب ما أطلب من العلو والرفعة والحظوة عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولابن إسحاق في السيرة تناصبنى من المناصبة بالنون والمهملة والموحدة قال السهيلي والمعروف في الحديث انه بالتحتية بدل الموحدة من المناصاة وهي المساواة ( فطفقت ) بكسر الفاء على المشهور وحكي فتحها أي جعلت وشرعت ( حمنة ) بفتح المهملة وسكون الميم وكانت تحت طلحة بن عبيد اللّه تزوجها بعد مصعب بن عمير ( تجاوب لها ) أي تجادل وتغضب لأختها وتذكر حديث الإفك لتنحط منزلة عائشة وتعلو منزلة أختها ( فهلكت )