« 1 » . فعلم أصحاب البصائر أن العليم بالسرائر والمطلع على الضمائر سيحاسبهم على كل صغير أو كبير أو جليل أو حقير ، وعلى مثاقيل الذر من الخطرات واللحظات والغفلات ، ولا ينجيهم من هذه الأخطار العظيمة والأهوال الجسيمة إلّا محاسبة أنفسهم في الدنيا قبل أن يحاسبوا يوم القيامة . قال الإمام الصادق عليه السّلام : إذا أراد أحدكم أن لا يسأل ربه شيئا إلا أعطاه فلييأس من الناس كلهم ، ولا يكون له رجاء إلا من عند اللّه ، فإذا علم اللّه ذلك من قلبه لم يسأله شيئا إلا أعطاه ، فحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا عليها ، فإن للقيامة خمسين موقفا كل موقف مقام ألف سنة ، ثم تلا عليه السّلام :
« 2 » . ومعنى المحاسبة هو أن يحاسب الإنسان نفسه أولا بالفرائض التي هي بمنزلة رأس ماله ، فإن أدّاها على وجهها شكر اللّه على هذه النعمة ، وإن فوّتها من أصلها طالبها بالقضاء . وكما أن التاجر يفتش في حساب الدنيا عن القيراط والحبة ليحفظ مداخل الزيادة والنقصان ، فينبغي عليه أن يتقي غائلة النفس ومكرها لأنها خداعة ، فليطالبها أولا بتصحيح الجواب عن جميع ما يتكلم به طوال نهاره وليتكفل بنفسه من الحساب ما يستولي غيره في صعيد القيامة . وهكذا عن نظره وسمعه ولسانه ، بل عن خواطره وأفكاره وجميع جوارحه حتى عن سكونه وسكوته وأكله وشربه . فإذا عرف مجموع واجبات نفسه وصح عنده قدر ما أدى من الحق ، كان ذلك القدر محسوبا له ، فيثبته عليها ويكتبه على صحيفة قلبه . قال الإمام الباقر عليه السّلام : لا يغرنك الناس من نفسك ، فان الأمر يصل إليك دونهم ، ولا تقطع نهارك بكذا وكذا فان معك من يحفظ عليك عملك فأحسن فاني