الإسماعيلية والإمامة
مرت الإمامة في عهد أبي جعفر المنصور بأدوار غاية في الصعوبة - كما رأينا - وقد تمكن الإمام الصادق عليه السّلام أن يجتاز دوائر الهلاك التي وضعها الحاكم الظالم وأن يجنّب أصحابه وشيعته ابتلاءات الحديد ، وأن لا يعضّهم سيف الحكام قدر الإمكان ، وقد علم الإمام الصادق - بما وهبه اللّه من حكمة ومعرفة بالأحوال - إن غدر المنصور لن ينتهي ، وأنه يتربّص الفرص للانتقام من أهل بيت النبوة ، فكان تدبيره الوصية بالشكل الذي يفوّت على المنصور الفرصة ، فلما توفي الإمام الصادق عليه السّلام وبلغ المنصور الخبر ، كتب : إن كان أوصى الإمام الصادق إلى رجل بعينه يقدّم ويضرب عنقه . فرجع إليه الجواب أنه أوصى إلى خمسة نفر أحدهم أبو جعفر المنصور ومحمد بن سليمان وعبد اللّه وموسى وحميدة . وفي رواية أخرى : إن الإمام الصادق عليه السّلام أوصى إلى أبي جعفر المنصور وموسى ومحمد بن جعفر أولاده ، ومولى لأبي عبد اللّه عليه السّلام . فقال أبو جعفر المنصور : ليس إلى قتل هؤلاء سبيل « 1 » . وسنرى أن أمر الوصية وتدبيرها على هذا الشكل قد مرّ بمرحلتين : الأولى : الإعداد للوصاية والتهيؤ للإمامة ، وإظهار ابنه موسى في منزلتهما لدى شيعة أهل البيت ، حتى إذا وضح في أذهان الناس النص واستقروا على الأمر ، أتبعه الإمام الصادق بالتدبير التالي والمرحلة الثانية : التي قصد بها كف الأذى عن وصيّه وإمام الناس من بعده ، وهو تدبير أحبط مسعى عدوّهم ، وأسقط في يده . ولولا هذا التدبير الذي أراده اللّه ، لنفّذ الدوانيقي ما كان يتمنّاه ، فكان الرشيد من تولى الجريمة ، ولكن بعد أن قام الإمام الكاظم بالتبليغ ، ونفذ الرسالة والأحكام ، وهكذا الحكام من