تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
موضعه ، وتؤدي معناه ، فاتق اللّه تعالى ليسلم منك دينك وقلبك وعقلك ، ألّا تدنسها بظلمة المعاصي . ولتسلم منك حفظتك ألا تبرمهم وتملّهم وتوحشهم منك بسوء معاملتك معهم ، ثم مع صديقك ، ثم مع عدوك . فإن من لم يسلم منه من هو الأقرب إليه فالأبعد أولى ، ومن لا يضع السّلام مواضعه فلا سلام ولا إسلام ولا تسليم ، وكان كاذبا في سلامه وإن أفشاه في الخلق » . أما الاستقبال ، فإن الإمام الصادق يجعله خروجا من مشاغل الدنيا وهمومها ، وتطلّعا إلى عالم اللّه : « إذا استقبلت القبلة فآيس من الدنيا وما فيها ، والخلق وما هم فيه ، واستفرغ قلبك من كل شاغل يشغلك عن اللّه تعالى ، وعاين بسرّك عظمة اللّه عز وجل ، واذكر وقوفك بين يديه ، قال اللّه تعالى :
هُنالِك تَبْلُوا كُل نَفْس ما أَسْلَفَت ورُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلاهُم الْحَق
وقف على قدم الخوف والرجاء » . إذا من المكوّنات الأساسية للمدرسة والمنهج هو العمل على الطاعة ، والدخول إلى عالم العبودية المطلقة للّه ، وفي ذلك سرّ هذا التكامل في المنهج والقوة في الموقف إذا نظرت إلى ذلك العصر بنظرة العموم ، من حيث أن الدنيا موضع ابتلاء لامتلائها بالمفاسد والأهواء التي لها سلطان على الأنفس في كل الأحوال ، إلّا من رحم اللّه ، فقاده إلى الإيمان وهداه إلى الحجة . أما إذا نظرت إلى العصر بخصائصه وأحواله ، فهو ملئ بالأحداث كما رأيت ، فإن وضعنا مدرسة الإمام الصادق وسط هذه الأحداث ، وجدنا أن المدرسة في معركة لا تهدأ ، وجهاد لا يفتر . وقد جلبت شهرة الإمام الصادق وشيوع ذكره أفرادا من الناس لهم أغراض مختلفة ، فمنهم الباحث عن الحق الذي يرجوه لشفاء نفسه مما ألم بها لتعرّضها إلى الأفكار والأقوال التي يموج بها المجتمع ، ومنهم المتبحّر في علوم الكلام وفنون الفكر ومذاهب الأولين ، ومنهم الملحد الزنديق ، إلى غيرهم من الأصناف . والكثير منهم يتّصل بفرقة وينتمي إلى مذهب ، فالحرورية وغيرها ما زالت في ثنايا المجتمع تعمل بفسادها ، والعثمانية ونحوها موغلة في جسم الأمة بعنادها ، والمعتزلة وأصنافها متسابقة في المضمار ساعية إلى الانتصار ، والجبرية وسلطانها تؤثر في النفوس بأفكارها . وقد مرّ بنا ذكر أغلبها في معرض أقوال الإمام الصادق وأجوبته ، أو مناظرات أصحابه ، وحصرنا علاقة الإمام الصادق بالمعتزلة في أجواء هذا العصر بالجانب الذي يتعلق بموقف الإمام الصادق من الحكام والظلم كما سيأتي . أما أقوالهم الأخرى