تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢

واحد ، وهم عبيده . إن اللّه عز وجل اختار من ولد آدم أناسا طهّر ميلادهم ، وطيّب أبدانهم ، وحفظهم في أصلاب الرجال وأرحام النساء ، أخرج منهم الأنبياء والرسل فهم أزكى فروع آدم ، فعل ذلك لأمر استحقوه من اللّه عز وجل ، ولكن علم اللّه منهم حين ذرأهم أنهم يطيعونه ويعبدونه ولا يشركون به شيئا ، فهؤلاء بالطاعة نالوا من اللّه الكرامة والمنزلة الرفيعة عنده ، وهؤلاء الذين لهم الشرف والفضل والحسب . وساير الناس سواء ، إلا من أتقى اللّه أكرمه ، ومن أطاعه أحبه ، ومن أحبه لم يعذبه بالنار » . وتوحي النظرة في حدود مدرسة الإمام الصادق وضروب مساعي أصحابه ، باستقرار الأمر واستتباب الحال ، لأن مظاهر العمل تجري بنظام واسع حتى كأن الحكام لا وجود لهم . وذلك ما يدعو إلى التأمل في سرّ هذه القوة ، وإلى التفكر - لمن يراودهم الشك - في أصل هذه القدرة وقيامها كسلطة قواعدها في القلوب والصدور ، وتعتمد تسديد اللّه لها وتأييده ، وتضع سياساتها في مجال الطاعة والعبودية للخالق الواحد . وقد تقدّم كثير من الموارد في ما مضى من الكتاب عن الحالات التي كان سلاح الإمام الصادق فيها هو اللجوء إلى اللّه والتوكل عليه . وقد جعل الإمام الصادق ذلك من أهم مكوّنات منهجه ، فيقول لبعض أصحابه : « إذا خفت امرأ يكون ، أو حاجة تريدها ، فابدأ باللّه عز وجل ، فمجّده ، واثن عليه كما هو أهله ، وصل على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم واسأل حاجتك ، وتباك ولو مثل رأس الذباب ، إن أبي عليه السّلام كان يقول : إن أقرب ما يكون العبد من الرب عز وجل وهو ساجد باك » « 1 » . وسئل عليه السّلام : ما العلّة التي من أجلها لا يصلي الرجل وهو متوشح فوق القميص ؟ فقال عليه السّلام : « لعله التكبر في موضع الاستكانة » . أما الغرض ذاته ، فإن الإمام الصادق يصف واجباته بشرح يدخل في عوالم العبودية للّه التي تؤدي إلى إشعار المؤمن بالقوة والتفوق في وسط ذلك الخضم من الأحداث . ففي الركوع يقول عليه السّلام : « لا يركع عبد اللّه ركوعا على الحقيقة ؛ إلّا زيّنه اللّه بنور بهائه ، وأظلّه في ظل كبريائه ، وكساه كسوة أصفيائه . والركوع أول ، والسجود ثان ، فمن أتى بمعنى الأول صلح للثاني . وفي الركوع أدب ، وفي السجود قرب ، ومن لا يحسن الأدب لا يصلح للقرب ، فاركع ركوع خاشع للّه عز وجل بقلبه ، متذلل

هامش
( 1 ) جواهر الكلام ج 11 ص 73 .