الجواب ، فقد ترأس مجلس المناظرة الذي كان يعقده يحيى بن خالد البرمكي مساء كل جمعة ببغداد ، وهو يضم جميع علماء الفرق ، ورؤساء الأديان ، وأهل الآراء ، فكانوا لا يخوضون في مسألة حتى يحضر هشام فيكون قوله الفصل ، وحكمه العدل . وكان الرشيد يحضر ذلك المجلس من وراء الستار - في بعض الأوقات - يستمع لتلك المناظرات ويصغي لتلك الأقوال . وأراد بعضهم أن يوقع الشر في قلب الرشيد على هشام ، فألقى إليه سؤالا في قضية مخاصمة العباس لعلي عليه السّلام في ميراث النبي ، وهو لا يعلم بمكان الرشيد . قال السائل : يا أبا محمّد ( وهي كنية هشام ) أما علمت أن عليا نازع العباس إلى أبي بكر ؟ قال هشام : نعم . قال السائل : فأيّهما كان الظالم لصاحبه ؟ فتوقف هشام وقال في نفسه : إن قلت : العباس خفت الرشيد ، وإن قلت : عليا ناقضت قولي وعقيدتي . ثم قال هشام : لم يكن فيهما ظالم . فقال السائل : أفيختصم اثنان في أمر وهما محقان جميعا ؟ قال هشام : نعم ، اختصم الملكان إلى داود وليس فيهما ظالم ، وإنما أرادا أن ينبهاه . كذلك اختصم هذان إلى أبي بكر ليعلماه ظلمه . فأمسك الرجل « 1 » ووقع الجواب عند الرشيد موقع القبول ومال قلبه لهشام . وله كثير من أمثال هذا من الأجوبة المسكتة ، والكلمات التي كان يتفوق بها على خصومه . قال ابن النديم بعد وصفه بقوة الحجّة وسعة التفكير : وكان هشام يقول : ما رأيت مثل مخالفينا ؟ ! عمدوا إلى من ولّاه اللّه من سمائه فعزلوه ( يعني عليا ) وإلى من عزله اللّه من سمائه فولوه ( يعني أبا بكر ) . ويذكر قصة مبلغ سورة براءة ، ومرد أبي بكر ، وإيراد علي عليه السّلام بعد نزول جبرائيل عليه السّلام قائلا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يؤديها عنك إلّا أنت أو رجل منك » . فرد أبا بكر وأنفذ عليا عليه السّلام « 2 » .
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 80
مساهمون: اسد حيدر
ص٨٠
هامش
( 1 ) العقد الفريد ج 1 ص 360 ، وعيون الأخبار لابن قتيبة ج 2 ص 150 . وضحى الإسلام ج 3 ص 268 .
( 2 ) تكملة فهرست ابن النديم ص 7 .