روى ابن أبي يعلى : أن رجلا قال لأبي عبد اللّه : أريد أن أكتب هذه المسائل . فقال له أحمد : لا تكتب شيئا فإني أكره أن أكتب رأيي . وأحس مرة بإنسان يكتب ومعه ألواح في كمه . فقال أحمد : لا تكتب رأيي ، لعلي أقول الساعة بمسألة ، ثم أرجع غدا عنها . وقال : إنما كانوا يحفظون ويكتبون السنن إلّا الواحد بعد الواحد الشيء اليسير منه ، فأما هذه المسائل تدون وتكتب من ديوان الدفاتر فلست أعرف فيها شيئا ، وإنما هو رأي لعله قد يدعه غدا ، وينتقل عنه إلى غيره . . . انظر إلى سفيان ومالك حين أخرجا ووضعا الكتب والمسائل كم فيها من الخطأ ؟ وإنما هو رأي يرى اليوم شيئا وينتقل عنه غدا والرأي قد يخطئ « 1 » . هذا ما علل به من كراهيته ، ومرة أخرى أنّه كان يرى أن كتابة الرأي محدثة أو بدعة .
مسند الإمام أحمد :
والمسند هو مجموعة كبيرة من جملة أصول السنّة يشتمل على أربعين ألف حديث تكرر منها عشرة آلاف ، ومنها ثلاثمائة حديث ثلاثية الإسناد ( أي بين رواتها والرسول ثلاثة رواة ) .
وقد سئل أحمد عن حديث فقال : انظروه فإن كان في المسند ، وإلّا فليس بحجّة .
وكان أحمد قد شرع في جمع المسند فكتبه في أوراق منفردة ، وفرقه في أجزاء متفرقة ، فمات قبل تنقيحه وتهذيبه ، فبقي على حاله . ثم أن ابنه عبد اللّه ألحق به ما يشاكله ، وضم إليه من مسموعاته ما يشابهه ويماثله .
وكثر الخلاف حول المسند وأحاديثه ، وجمعه وترتيبه ، ورتبته من كتب الأسانيد .
وحكم ابن الجوزي على عدة أحاديث بالوضع ، وقال الذهبي في سيرة النبلاء :
فيه - أي مسند أحمد - جملة من الأحاديث الضعيفة مما لا يسوغ نقلها ولا يجب الاحتجاج بها ، وفيه أحاديث معدودة شبيهة بالموضوعة ، لكنها قطرة في بحر .
واعتذر ابن تيمية : بأن عبد اللّه بن أحمد قد زاد على مسند أحمد زيادات ، وزاد
هامش
( 1 ) الطبقات لابن أبي يعلى ج 1 ص 39 و 214 .