لأنه كان في ضنك عيش ، يتحمل في سبيل ذلك المتاعب ، إذ لم يكن له كافل من أسرته كما تقدم بيانه . كما أنه لم يتمكن من الرحلة إلى الشافعي في مصر إذ وعده بذلك .
نبوغه وشهرته :
ونبغ أحمد في مجتمعه ، وعرف بين أقرانه ، ولكن شهرته لم تكن تبلغ حدها الذي بلغت إليه في آخر حياته إلّا بعد وقوع المحنة ، فهو في ذلك المجتمع الذي كان يزخر برجال العلم وحملة الحديث لم يكن مبرزا ، أو له شهرة تفوق غيره ، لذلك لم يكن في أول الأمر معدودا في قائمة الرجال من أهل العلم الذين تهتم الدولة في موافقتهم بمشكلة خلق القرآن ، أو يسوؤها مخالفتهم ، فقد جاء في كتاب المأمون الأول ذكر جماعة من العلماء ، ولم يكن أحمد فيهم ، ولكنه ورد بعد ذلك .
ومهما يكن من أثر الأسباب في شهرة أحمد فإن ذلك لا يتعدى حدود صموده في الامتناع عن القول بخلق القرآن ، وكما سيأتي أنه لم يكن الوحيد في ذلك ، فإن جماعة من العلماء ، قد وقفوا موقفا مشهودا ، وقد تحملوا في سبيل ذلك الأذى ، وقد تجرعوا الغصص ؛ وكانت خاتمة المطاف أن لقوا حتفهم في السجون ، وتحت ضرب السياط وحد السيوف .
وبطبيعة الحال أن يكون ذلك الصراع العقائدي قد فسح المجال لمعرفة الأشخاص الذين يبرزون في هذا الميدان ، ومن حسن الحظ أن يبقى أحمد إلى عهد المتوكل ، الذي غير مجرى الحوادث بمحاولته جلب الرأي العام الذي كان مستاء من تصرفات المعتزلة ، وشدة سطوتهم ، وتنكيلهم بمن يخالف عقيدتهم ، فكان انتصار المتوكل للمحدثين قد أحدث انقلابا في سياسة الدولة وتوجيه الرأي العام ، فانهزم المعتزلة ، وانتصر المحدثون ، وسطع نجم أحمد في ذلك الأفق المتلبّد بسحب الخلافات والمنازعات العقائدية ، واتجه الرأي العام إلى تعظيمه ، والالتفاف حوله ، وقد أبدى المتوكل عنايته التامة في احترام أحمد وتعظيمه ، وأصبحت له منزلة سامية ، وظهر أتباعه بمظهر العظمة . كما ظهر المتوكل بمظهر محيي السنة ، وراحوا يمجّدون عرشه ويبالغون في مدحه ، ولم يقصّر هو في رعايتهم والاعتماد عليهم ، فبدأت موجة من الكبت والاضطهاد كانت رد فعل لما وقع فيه المعتزلة الذين كانوا يدعون إلى حرية