الصّادق : « ما هو مهدي هذه الأمة ولئن شهر سيفه ليقتلن » . فقال عبد اللّه : كان هذا الكلام منك لشيء . فقال الصّادق : « قد علم اللّه أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم ، فكيف أدخره عنك ، فلا تمن نفسك الأباطيل ، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء ، وقد جاءني مثل الكتاب الذي جاءك » « 1 » . وعلى ضوء ما تقدم نستطيع أن نكشف كثيرا من الحقائق الناصعة ، فإن امتناع الإمام عن إجابة أبي سلمة دليل قاطع على أن خطته الحكيمة ومنهجه السديد في عدم امتزاجه بذلك المعترك الذي لا يؤمل من ورائه نجاح تلك المهمة قد أصاب كبد الحقيقة بتلك النظرة الصائبة والحدس الثاقب وعلمه بما وراء الحوادث ، فقد فشل أبو سلمة فشلا ذريعا في تلك المحاولة التي جاءت متأخرة عن وقتها . ولقد ابتعد الإمام الصّادق عن ذلك المعترك ، وبذل لأبناء عمّه النصح بأن لا يزجّوا أنفسهم في ذلك الصراع ، وحذّرهم عاقبة الأمر التي لا تعود عليهم إلّا بالخيبة ، وقد لقي منهم استنكارا ، وربما اتهموه ، ولكنه يرى ما لا يرونه ويعلم ما لا يعلمون . إذ الأمر جاء قبل أوانه ، وهو عليه السّلام يرى التريث إلى حين إعداد العدة وإحكام الأمور وحلول الوقت المناسب . ولم يكن أبو سلمة وحده يتحول عن رأيه في الدعوة لبني العباس ، فقد سبقه أبو مسلم الخراساني لذلك ، فإنه تحول عن رأيه ، وحاول أن يستميل الإمام الصّادق في إسناد الحكم إليه . فكتب إلى الإمام الصّادق عليه السّلام كتابا يقول فيه : إني قد أظهرت الكلمة ، ودعوت الناس عن موالاة بني أمية إلى موالاة أهل البيت ، فإن رغبت فلا مزيد عليك . فكتب إليه الإمام عليه السّلام : « ما أنت من رجالي ، ولا الزمان زماني » « 2 » . وها نحن أولاء نترك تقدير هذا الجواب إلى القارئ النبيه ، ليلمس فيه الحقائق التي تدل على الروح المشبعة بالإيمان ، والشخصية المستعصمة بالفكر الثاقب ، والنظر الدقيق لعواقب الأمور ، ومراعاة المصلحة العامة ، والسير على الخطط المحكمة والآراء السديدة ، في تقدير الظروف ومناسباتها ، فلم يندفع وراء تيار الأقوال البرّاقة ،
الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 301
مساهمون: اسد حيدر
ص٣٠١
هامش
( 1 ) مروج الذهب للمسعودي ج 3 ص 268 و 269 . والآداب السلطانية ص 137 .
( 2 ) الملل والنحل للشهرستاني ج 1 ص 241 .