تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإمام الصادق والمذاهب الأربعة — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
وجه التاريخ ، وكدّر صفو الأخوة ، وذهب بجهود المصلحين أدراج الرياح ، ولا حول ولا قوة إلّا باللّه العلي العظيم . وفي الحقيقة إن مبعث ذلك إنما هو حب الرئاسة والأثرة ، وشغب المتداخلين في صفوف المسلمين لإيقاد نار البغضاء والحقد ، ولو رجعنا إلى الواقع نجد ذلك الشذوذ والتطرّف الذي ارتكبه المتعصّبون بعيدا كل البعد عن الدين . ولم يكن الأمر ليصل إلى هذا الحد من التطاحن والتفرّق لولا الأخذ بأساليب الحكام والميل إلى سبلهم في حماية أشخاصهم ومصالح ملكهم . وقد كان غلق باب الاجتهاد من تصرفات الحكام بعد أن تمكّن غيرهم من توجيه الأحداث كما يشاؤون ، والتدخّل في معتقدات الناس وأفكارهم ، وحتى يأمنوا جانب العلماء خشية مضيهم على ما ركّبه اللّه فيهم من آلة العقل وأداة التفكّر فيقولوا أو يفتوا بما يضر الجور ويقف بوجه الظلم ، فأغلقوا الباب الذي كان يمكن أن يتسلّل منه هذا الخطر . وبذلك دخلت الأمّة في دور من الجمود والحجر - وصفنا جانبا منه في الأجزاء السابقة ، وسنأتي على صور منه فيما يأتي من أجزاء - . ولم يخضع الشيعة لمثل هذه السياسة التعسفية وإنما بقي للعقل مكانته ، فكيف تهمل وسيلة من وسائل التدبّر والحكمة التي - بضبطها بقواعد الاستخدام الشرعية المستمدة من الكتاب والسنّة - تنتج أحكام ليس فيها شطط الرأي ولا ميل الهوى . ومن نتائج البعد عن العقل ومجافاة الصواب انقياد المسلم لما ارتآه الحكام لمصلحتهم ، واتفقت الأدلة على منافاته لروح الأخوة الإسلامية . وبعد أن مرّت تلك الأدوار وما فيها - وفي ذمة التأريخ ذلك - فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى الوحدة والتفاهم ، لرفع تلك الأشواك التي غرست في طريق تفاهم المسلم مع أخيه ، لأنا في مشاكل أمام خصوم الإسلام لا يحلّها إلّا الاتحاد والرجوع إلى الأمر الأول ، واتباع أوامر الرّسول وتعاليم القرآن ، وأخذ العلم من أهله ، وأن نعرف الحق حقا فنتبعه والباطل باطلا فنتجنبه ، لنعيش عيش سعادة وهناء تحت ظلال الدين الحنيف . وإلى اللّه نبتهل أن يجعل كلمة الإسلام هي العليا . وأن يجمع شمل المسلمين وينصرهم على خصومهم الذين يكيدون لهم ويسعون في تفريق كلمتهم ، وما النصر إلّا من عند اللّه .
واعْتَصِمُوا بِحَبْل اللَّه جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَت اللَّه عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعْداءً فَأَلَّف بَيْن قُلُوبِكُم فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِه إِخْواناً
.