فأقبلت بجنود لا عداد لها * تترى كسيل جرى من شامخ الهضب
من كل وغد لئيم الأصل قد حملت * به العواهر لا ينمى إلى نسب
وكل رجس خبيث قد نماه إلى * شر الخلائق والأنساب شرأب
حتى تضايق منها الطف وامتلأت * رحابه بجيوش الشرك والنصب
فشمرت للوغى إذ ذاك طائفة * لم تدر غير المواضي والقنا الرطب
قوم هم القوم لم تفلل عزائمهم * في موقف فل فيه عزم كل أبي
من كل قرم كأن الشمس غرته * لو لم يحل بها خسف ولم تغب
وكل طود إذا ما هاج يوم وغى * فالوحش في فرح والموت في نصب
وكل ليث شرى لم ينج منه إذا * ما صال قرم باقدام ولا هرب
مشوا إلى الحرب من شوق لغايتها * مشي الظماة لورد البارد العذب
فأضرموها على الأعداء نار وغى * تأتي على كل من تلقاه بالعطب
وأرسلوها بميدان الوغى عربا * كالبرق تختطف الأرواح بالرهب
وجردوها من الأغماد بيض ضبا * تطوي الجموع كطي السجل للكتب
وأشرعوها رماحا ليس مركزها * سوى الصدور من الأعداء واللبب
صالوا فرادى على جمع العدى فغدت * صحاحه ذات كسر غير منأرب
وعاد ليلهم يمحونه بضبى * لا يتقى حدها بالبيض واليلب
حتى إذا ما قضوا حق العلا ووفوا * عهد الولي وحموا عن دين خير نبي
وجاهدوا في رضى الباري بأنفسهم * جهاد ملتمس للأجر محتسب
دعاهم القدر الجاري لما لهم * أعد من منزل في أشرف الرتب
فغودروا في الوغى ما بين منعفر * دامى ومنجدل بالبيض منتهب
ظامين من دمهم بيض الضبي نهلت * من بعد ما أنهلوها من دم النصب
لهفي لهم بالعرى أضحى يكفنهم * غادى الرياح بما يسفى من الترب
وفوق أطراف منصوب القنا لهم * مرفوعة أرؤس تعلو على الشهب
ونسوة المصطفى مذ عدن بعدهم * بين الملا قد بدت أسرى من الحجب
وسيّرت ثكلا أسرى تقاذفها * الأمصار تهدى على المهزول والنقب
أدب الطف أو شعراء الحسين ( ع ) — صفحة 190
مساهمون: جواد شبر
ص١٩٠