والحسن والحسين وعقيل وجعفر في الجنّة إخوانا على سرر متقابلين ( أنت معي وشيعتك في الجنّة ) ثم قرأ صلّى اللّه عليه وآله
( إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِين )
لا ينظر أحدهم في قفا صاحبه » انتهى « 1 » .
هل بين الأحاديث تعارض ، وكيف نوفّق بينها لو كان
ولا ينافي ذلك قوله في حديث آخر : « أحب النساء إليّ عائشة » « 2 » ، لأن المراد بالنساء زوجاته الموجودات عند قوله ذلك « 3 » . وعلى فرض خلافه ، فهو على معنى « من » « 4 » .
هامش
( 1 ) . المعجم الأوسط 8 : 330 برقم 7671 ، وراجع كنز العمّال 12 : 109 برقم 34225 . ورواه أيضا في سنن النسائي 5 : 150 برقم 8531 ، وكفاية الطالب : 308 الباب 83 ، والبيان والتعريف 3 : 42 وقال : أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة .
( 2 ) . رواه السيوطي في الجامع الصغير 1 : 37 برقم 205 عن أنس ، ومثله في سير أعلام النبلاء 2 : 147 عن عمرو بن العاص .
( 3 ) . قال المناوي : « أحب الناس إليّ من حلائلي الموجودين بالمدينة آنذاك عائشة ، على وزان خبر ابن الزبير :
أوّل مولود في الإسلام ، يعني بالمدينة ، وإلّا فمحبّة المصطفى لخديجة معروفة ، شهدت بها الأخبار الصحاح ، ذكره الزين العراقي ، وأصله قول الكشّاف ، يقال في الرجل : أعلم الناس وأفضلهم ، يراد به من في وقته » ( فيض القدير 1 : 168 ) .
( 4 ) . أي : أن الإضافة تكون بمعنى ( من ) ، أي : من زوجاته ، فتكون عائشة أحب أزواج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إليه ، من دون تقييد بزمن الخطاب .
وهذا الفرض لا تساعده الروايات الصحيحة الناطقة بفضل خديجة على جميع نساء الأمة عدا فاطمة عليها السّلام ، وأنّها أحب أزواجه إليه ، على ما ذكره علماء أهل السنّة فضلا عن الشيعة :
أ - قال الذهبي : « نعم ، جزمت بأفضلية خديجة عليها ( عائشة ) لأمور » . ( سير أعلام النبلاء 2 : 140 ) .
وقال أيضا : « وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يثني عليها ، ويفضّلها على سائر أمّهات المؤمنين ، ويبالغ في تعظيمها ، بحيث أن عائشة كانت تقول : ما غرت من امرأة ما غرت من خديجة ! من كثرة ذكر النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لها » . ( سير أعلام النبلاء 2 : 11 ) .
ب - قال ابن العربي : « إنّه لا خلاف في أن خديجة أفضل من عائشة » . ( فتح الباري 7 : 519 ) . ج - كلام المناوي المتقدّم آنفا ، وخصوصا قوله : « وإلّا فمحبّة المصطفى لخديجة معروفة ، شهدت بها الأخبار الصحاح » . ( فيض القدير 1 : 168 ) .
د - قول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله لعائشة : « ما أبدلني اللّه خيرا منها ، لقد آمنت بي حين كفر الناس ، وأشركتني في مالها حين حرمني الناس ، ورزقني اللّه ولدها وحرمني ولد غيرها » . رواه في سير أعلام النبلاء 2 : 117 وفتح الباري 7 : 515 . فقوله صلّى اللّه عليه وآله : « ما أبدلني خيرا منها » صريح في أنّها خير وأفضل زوجاته ، وإلّا لا يكون معنى للنفي في قوله صلّى اللّه عليه وآله : « ما أبدلني » .
ه - قول ابن حجر : « وقد أخرج النسائي بإسناد صحيح ، وأخرجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا : « أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة وفاطمة ومريم وآسية » قال ابن حجر : وهذا نص صريح لا يحتمل التأويل .
( فتح الباري 7 : 514 ) .
وقال في موضع آخر : « ولم يتزوّج النبيّ صلّى اللّه عليه وآله على خديجة حتّى ماتت ، وهذا ممّا لا اختلاف فيه بين أهل العلم بالأخبار ، وفيه دليل على عظم قدرها عنده ، وعلى مزيد فضلها ؛ لأنّها أغنته عن غيرها » . ( فتح الباري 7 : 517 ) .
و - قال السبكي الكبير : « الّذي لدين اللّه : أن فاطمة أفضل ثم خديجة » . ( فتح الباري 7 : 519 ) .
ز - قال المناوي : « روى البزّار والطبراني عن عمّار بن ياسر : « لقد فضّلت خديجة على نساء أمتي كما فضّلت مريم على نساء العالمين » قال : وهو حديث حسن الإسناد » . ( فيض القدير 3 : 432 وقال : لا جرم كانت أفضل نسائه على الأرجح . وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد 9 : 358 برقم 15270 ) .
ح - قال السهيلي : « إن خديجة أفضل من عائشة ؛ لأن عائشة سلّم عليها جبريل من قبل نفسه ، وخديجة أبلغها السلام من ربّها » . ( فتح الباري 7 : 519 ) .
ط - قال القرطبي في التفسير : « وروي من طرق صحيحة أنّه صلّى اللّه عليه وآله قال فيما رواه عنه أبو هريرة : « خير نساء العالمين أربع : مريم بنت عمران ، وآسية ، وخديجة بنت خويلد ، وفاطمة بنت محمّد » ( جامع أحكام القرآن 4 : 82 ) .
ي - أن خديجة ورد اسمها في حديث « أفضل نساء أهل الجنّة : خديجة ، وفاطمة ، ومريم ، وآسية » وحديث « خير نساء العالمين أربع » و « سيّدات نساء أهل الجنّة » و « حسبك من نساء العالمين أربع » وسيأتي تفصيل ذلك في الباب الثالث . وهذا ظاهر في الحصر ، بل يوجبه تكرار الحديث بصيغ مختلفة ، وروايته بطرق متعدّدة ، فتكون الأربع أفضل نساء العالمين ، ومنهن خديجة ، فهي أفضل من جميع أزواجه .
هذا فضلا عن أن حديث « أحب النساء إليّ عائشة » في بعض طرقه خالد الحذّاء ، وقد أورده العقيلي في الضعفاء 2 : 4 برقم 402 وقال : ضعّف ابن علية أمره . ونقل الذهبي في المغني في الضعفاء 1 : 206 فقال : وكان أبو حاتم يقول : لا احتج بحديثه . وذمّه ابن معين في التاريخ 1 : 105 برقم 597 .
وفي بعض طرقه الأخرى : قيس بن أبي حازم ، ذكر الذهبي عن علي ابن المديني : أن قيس لا يعمل عليه ، إنّما كان أعرابيا بوّالا على عقبيه . وكان يحيى بن معين يقول عنه : منكر الحديث ( سير أعلام النبلاء 11 : 53 ) .
وروى وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم أنّه قال : أتيت عليا ليكلّم لي عثمان في حاجة فأبى ، فأبغضته ! ! وفي رواية أخرى يقول : فدخل بغضه في قلبي . ( شرح النهج 4 : 101 ) . وقد اتّفقت الأخبار الصحيحة عند المحدّثين أن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال لعلي : « لا يحبّك إلّا مؤمن ، ولا يبغضك إلّا منافق » ( شرح السنّة 8 : 86 برقم 3907 وقال : حديث صحيح أخرجه مسلم ، برقم 3908 وقال : صحيح ، وفي مجمع الزوائد 9 : 180 بطريقين ) .