تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 449

مساهمون:

ص٤٤٩
لهذا اعتمد القرآن أحيانا على الأمثال في إثبات البعث بعد الموت ، لأنّ الأمثال تتضمن أدلّة عقلية قاطعة في إثبات هذه القضية . يقول الله تعالى :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ، قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ . . .
يس : 78 - 79 . فالمثل يضع أمام الإنسان المنكر للبعث صورته الأولى في الخلق ، وما فيها من قدرة وإعجاز ، فالقادر على الخلق على غير مثال ابتداء ، قادر على الإعادة بداهة ، بل إن الإعادة تبدو أهون من الابتداء في الخلق على غير مثال ، وهذا هو الاستدلال الأول . ثم هناك استدلال آخر بمظاهر الطبيعة ، فصورة النار المشتعلة من الشجر الأخضر ، دليل على قدرة الله في الجمع بين المتضادات مثل الماء والنار ، وهذا دليل عقلي آخر على قضية البعث بعد الموت التي تبدو في ذهن المنكرين لها من المتضادات المستبعدة ، ولكن القرآن يقربها بالصورة المحسوسة لاشتعال النار في الشجر الأخضر . وبذلك ينتفي الاستبعاد ، وتتحقق القدرة الإلهية في الخلق والإماتة ثم في البعث والنشور . ثم جاء بدليل عقلي أكبر ، فلفت العقل الإنساني إلى هذه الصورة الكونية الضخمة في خلق السماوات والأرض ، وما فيها من كواكب ونجوم ، وأسرار وعجائب ، وما في الأرض من جبال وسهول وبحار ورياح . . . إلخ . فالمثل هنا يخاطب العقل بالأدلة البدهية ، والبراهين المنطقية ، فأقام عليه الحجة أولا من نفسه ، ثم انتقل به إلى دليل من الطبيعة في اشتعال النار من الشجر الأخضر ، ثم انتقل به إلى دليل أكبر مستمد من هذا الكون الواسع . إنّ هذا الاستدلال على قضية البعث بعد الموت يعدّ من أقوى الاحتجاج العقلي ، حيث تحوّلت القضايا الكبيرة والمعقدة إلى قضايا مدركة ومصورة للناس . وأحيانا تعرض هذه القضية على شكل محاورة أيضا بين مؤمن وكافر في إطار من الاستدلال العقلي . قال تعالى :
قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا
الكهف : 37 . فالحوار بين الاثنين يكشف عن إنكار الكافر للبعث بعد الموت ، فيردّ عليه المؤمن بوضع صورة خلقه من العدم ، ثم يصوّر له مراحل نموه ، ليظهر له قدرة الله سبحانه .