تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 446

مساهمون:

ص٤٤٦
وقوله أيضا :
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ سُبْحانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ
المؤمنون : 91 . فالصورة الأولى تلفت أنظار الإنسان إلى بناء الكون بإحكام ونظام دون اختلال أو اضطراب ، وهذه الصورة المحكمة تدل على أن الله واحد ، لأنه لو كان هناك أكثر من إله لأدى ذلك إلى اختلال في الصورة الكونية المحكمة ، لاختلاف الإرادتين وتناقضهما ، وهذا الاختلاف يؤدي إلى الفساد في بناء الكون ، والإخلال بنظامه ، وحين لا نرى هذا الفساد في الكون والحياة فإن هذا دليل الوحدانية ، ونفي لتعدد الآلهة . والصورة الثانية ترسم حركة مضحكة في المخيّلة ، على افتراض وجود آلهة متعددة ، فكل إله يذهب بمخلوقاته ، بعيدا عن الآخر ، وتلقي الصورة ظلّ استحالة وقوع ذلك لانتفاء الاختلال في الكون والحياة . ثم ترسم صورة أخرى للآلهة المتعددة ، يعلو بعضهم فوق بعض ، وصراع الآلهة على المخلوقات وانحياز الخلق كل إلى إلهه الخاص به . ويلاحظ هنا أن الصورة المرسومة تقود الإنسان إلى التسليم بحقيقة التوحيد ، من خلال افتراض المحال ، وبيان فساد هذا الافتراض في حال وقوعه . فالصورة تؤكّد على توحيد الألوهية ، وافتراض آلهة متعددة محال ، لما يلزم منه من المحال « 10 » . فالقرآن الكريم ، يعتمد التصوير الفني في إثبات عقيدة التوحيد ، ومخاطبة العقل البشري من خلال الصورة المرسومة لتحقيق التأثير الوجداني أيضا . يقول الدكتور محمد عبد الله دراز في أدلة القرآن على العقيدة إنها « تجمع بين العمق والوضوح والدقة . اقرأ قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ
. وانظر كيف يكون الاستدلال والتهويل والاستعظام في هذه الكلمات القليلة ! بل الدليل نفسه جامع بين عمق المقدمات اليقينية ، ووضوح المقدمات المسلمة ، ودقة التصوير ، لما يعقب التنازع من الفساد الرهيب ، فهو برهان خطابي وشعري معا ، وهذا ما لا نجده في كتب الحكمة النظرية » « 11 » .
هامش
( 10 ) مناهج الجدل في القرآن : ص 76 . ( 11 ) النبأ العظيم : د . محمد عبد الله دراز ص 116 .