تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
لإقامة الحجة والبرهان كقوله سبحانه وتعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ، وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ، وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ
البلد : 8 - 10 ، وكقوله تعالى :
أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
يس : 81 . ويعتمد القرآن الكريم في الاستدلال على ( القياس التمثيلي ) ، والمراد به إلحاق أحد الشيئين بشيء آخر فيقيس المستدل الأمر الذي يتبنّاه على أمر معروف ، عند من يخاطبه ، أو على أمر بدهي لا تنكره العقول « 13 » . والأمثال القرآنية من هذا النوع ، فهي تعتمد منهجا عقليا في الاستدلال على الموضوعات الدينية التي تقررها ، وهي أقوى حجة ، وأقرب فهما . وعلة ذلك كما يقول قدامة : « لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكنا فهو يحتاج إلى ما يدل عليه وعلى صحته ، والمثل مقرون بالحجة ، ألا ترى أن الله عز وجل لو قال لعباده : إني لا أشرك أحدا من خلائقي في ملكي ، لكان ذلك قولا محتاجا إلى أن يدل على العلة فيه ، ووجه الحكمة في استعماله ، فلما قال :
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ
الروم : 28 كانت الحجة من تعارفهم مقرونة بما أراد أن يخبرهم به من أنه لا شريك له في ملكه من خلقه ، لأنهم عالمون أنهم لا يقرون أحدا من عبيدهم على أن يكون فيما ملكوه مثلهم بل يأنفون من ذلك ، ويدفعونه ، فإن الله عز وجل أولى بأن يتعالى عن ذلك » « 14 » . وقال الأصبهاني ( ت 351 ه ) : « وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة وقمع لسورة الجامح الأبي ، فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه ، ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه ، وفي سائر كتبه الأمثال » « 15 » . وقد أشار القرآن الكريم إلى قوة الدليل العقلي بالأمثال يقول الله تعالى :
وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً
الفرقان : 33 . فالأمثال تعدّ من أقوى طرق الاستدلال ، والموازنة العقلية في إثبات الحقائق الدينية وإقامة الحجة والبرهان على الخصوم .
هامش
( 13 ) مناهج الجدل في القرآن : 72 . ( 14 ) نقد النثر : قدامة بن جعفر . ص 75 ( منسوب إليه ) ( 15 ) الإتقان : للسيوطي : 4 / 39 .