تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 445

مساهمون:

ص٤٤٥
وهناك مناظرة أخرى لإبراهيم مع عبدة الكواكب والنجوم ، فاستدل إبراهيم على وجود الله من خلال الصور الكونية ، واستدل من حدوثها على بطلان عبادتها ، لأنها حادثة ، وكل حادث بحاجة إلى محدث ينتهي إليه ، وإلّا أدى الدور المتسلسل في القول بالمحدث التالي إلى ما لا نهاية ، وهذا ممتنع عقلا . يقول تعالى :
وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
الأنعام : 75 - 79 . فإبراهيم يسوق الأدلة العقلية بحيث يوافق الخصم فيما يرى ويجاريه في المبدأ ، حتى يظهر له بطلان اعتقاده من خلال إبراز الأفول والزوال للصور الحسية المحدثة ، وكونها لا تصلح أن تكون آلهة لهذه العلة وهي الحدوث والأفول ، ثم يتوصل مع الخصم في النهاية إلى المخالفة في الاعتقاد بالنجوم والتوصّل إلى حقيقة الألوهية . وإبراهيم لم يكن شاكّا ، وإنما أراد إقامة الحجة وإقناع الخصم ، فسلك منهج مجاراة الخصم فيما يعتقد لإقامة الدليل القاطع عليه ، من خلال الموافقة في العبارة على طريق الإلزام للخصم وهذه طريقة بليغة في المناظرة ، قوية الحجة والبرهان . فإبراهيم كان في مقام المناظرة مع قومه ، كما قال بذلك ابن كثير والرازي والقرطبي والزمخشري وأبو السعود « 7 » . كذلك نلاحظ أنّ الصورة تعتمد على ( دليل التمانع ) في إثبات عقيدة التوحيد ، عن طريق الاستدلال بنظام الكون المحكم ، وعدم اختلاله أو تصادمه ، وقد يسمى هذا الدليل ( بقياس الخلف ) « 8 » ، وهو إثبات المطلوب بإثبات نقيضه « 9 » . ومن ذلك قوله تعالى :
لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا
الأنبياء : 22 .
هامش
( 7 ) صفوة التفاسير : 1 / 402 الهامش . ( 8 ) مصادر المعرفة : ص 210 - 211 . ( 9 ) مناهج الجدل في القرآن : ص 71 .