تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 438

مساهمون:

ص٤٣٨
على هدي الوحي ، فالعقل له مجاله المحدود ، وهو ما يقع عليه نظر الإنسان ، ويقع تحت حواسه ، أما ما عدا ذلك فلا بدّ من الاهتداء بالوحي ، لمعرفة ما وراء المحسوس من عالم الغيب . والقرآن كتاب دعوة وهداية ، واجه البشر وقت نزوله بحقائق دينية ، وجادل خصومه من المشركين وأهل الكتاب ، ولكن طريقته في الجدل ، لم تكن ذهنية باردة ، أو فلسفية معقدة . إنّما اتخذ الصورة وسيلة لعرض حقائق العقيدة والإيمان ، لأن الصورة تخاطب الفطرة البشرية ، والبداهة العقلية ، والحواس البشرية . لذلك كان للقرآن هذا التأثير القوي في العقول والقلوب حين أنزل ، وما زال هذا التأثير له ، لكل من يقرؤه ، ويتدبّر ما فيه ، ويتذوق طريقته الفنية في تصوير الحقائق الدينية . إنّ القرآن تناول قضايا كبيرة في الفكر الإنساني مثل الخالق ، والوجود ، والكون والحياة والإنسان والبعث بعد الموت وغير ذلك ، واستطاع أن يحوّل هذه القضايا الفكرية من إطارها الفلسفي المعقّد ، إلى إطار البداهة الإنسانية ، بفضل طريقته المتميّزة في التصوير الفني . هذه الطريقة التصويرية للمعاني الدينية ، لا تخاطب العقل وحده ، وإنما تخاطب العقل والحس والنفس معا من خلال مشاهد الطبيعة ، والأمثال ، والقصص ، ومشاهد القيامة ، والنماذج المرسومة . . . إلخ . فحرّك القرآن العقول بهذه الصور المعروضة ، وأيقظ الحواس ، على البداهة العقلية ، فتفتّحت البصيرة لإدراك الحقائق الدينية ، واستجابت الفطرة لندائه ، بعد أن أزيل عنها ركام الأوهام وقد حملت الصورة القرآنية كثيرا من الأدلة العقلية ، لإثبات العقيدة ، وترسيخها في النفوس . وخاطبت بها الفطرة الإنسانية لأنها مجبولة على الإيمان ، ولكن هذا الإيمان بالله ، قد يغيب تحت ركام الأوهام ، ويخفت نوره إن قليلا أو كثيرا بفعل المؤثرات الخارجية « 1 » . فقضية وجود الله ، قضية فطرية ، متأصّلة في النفس الإنسانية ، ولكنّها قد تضمر وتغيب بفعل المؤثرات الخارجية ، والجهل والأوهام والهوى ، ولكنّ هذه الفكرة تنبعث فجأة من تحت الركام عند « أعتى الملاحدة حينما تضمحل هذه المؤثرات » « 2 » .
هامش
( 1 ) مصادر المعرفة : ص 390 - 391 . ( 2 ) المصدر السابق : 393 .