تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 440

مساهمون:

ص٤٤٠
من تناسق وإحكام . فالتوافق في خلق الكون ، على صور متناسقة ، مع خلق الإنسان ، وتناسق حركة الكون مع حركة الإنسان خير دليل على الخالق سبحانه . وقد قسّم ابن رشد الاستدلال بالكون إلى نوعين : دليل العناية ، ودليل الاختراع . يقول : « ويتمثّل الأول في الاستدلال بهذا الكون وما فيه من عوالم من جهة خلقه بعد أن لم يكن ، وإيجاده فإنه دليل على الخالق الحكيم ، ويتمثل الثاني في الاستدلال بالتنظيم المحكم لهذا الكون واطراد نواميسه دون اختلال ، وموافقة جميع الموجودات لوجود الإنسان على الفاعل الحكيم » « 4 » . ونحن نجد في القرآن تركيزا علي الصور الكونية ومشاهد الطبيعة ، لأنها تحمل الأدلة العقلية التي تثبت وجود الله ، ومن ذلك قوله :
أَ وَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ
الأعراف : 185 . ومن الصور المتضمنة دليل العناية بالإنسان قوله تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ، وَالْجِبالَ أَوْتاداً ، وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً ، وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ، وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً ، وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً ، وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً ، لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً ، وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً
النبأ : 6 - 16 . فالصور الحسية هنا قريبة من الإدراك والفهم ، فالأرض ممهّدة ، والجبال راسية ، والزوجية في الخلق ، والنوم سبات ، والليل ساتر ، والنهار معاش ، والسماوات طباق محكمة ، والشمس ساطعة ، والأمطار هاطلة من السماء ، والنبات طالع من الأرض . . . كلها صور مدركة مألوفة تحرّك العقل وتدفعه إلى التأمل فيما وراءها من حكمة إلهية ، وعناية ربانية في خلقها . وقوله أيضا :
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً
الفرقان : 61 ، وقوله أيضا :
فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ ، أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا ، ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا ، فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا ، وَعِنَباً وَقَضْباً ، وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا ، وَحَدائِقَ غُلْباً ، وَفاكِهَةً وَأَبًّا ، مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ
عبس : 24 - 32 . وهناك أمثلة كثيرة تصلح أدلة وشواهد على دليل العناية .
هامش
( 4 ) مصادر المعرفة : 397 . ومناهج الجدل في القرآن الكريم : د . زاهر الألمعي : ص 136 .