تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
وخائن يماطل في ردّ الحقوق إلى أصحابها ، بل إنه يفلسف سلوكه الذميم بأن الله أباح له هذا التعامل مع الآخرين . وكلمة « قنطار » توحي بالكثرة والضخامة ، لتوضيح أمانة النموذج الأول ، وكلمة « دينار » توحي بالقلّة ، لتقابل الكثرة في النموذج الأول ، وتوضّح الفارق بين النموذجين ، وقوله :
ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً
تؤكّد مماطلة النموذج الثاني وخيانته ، لأن كلمة
قائِماً
توحي بالملازمة الشديدة له ، ثم زاد هذه الملازمة توضيحا وتأكيدا بتقديم الجار والمجرور على متعلقه
عَلَيْهِ قائِماً
. ونموذج آخر لأهل الكتاب ، هو نموذج المخادع . يقول الله تعالى فيه :
وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
آل عمران : 72 . وهناك أيضا نموذج الحريص على الحياة الدنيا ، متمسك بها بأيّ شكل من الأشكال يقول تعالى :
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ
البقرة : 96 . وهذا النموذج في الأساس ينطبق على اليهود ، الذين يحرصون على أيّ حياة كانت ، وتنكير « حياة » هنا يفيد التحقير . فهم حريصون على حياة كريمة أو ذليلة ، المهم أن تكون حياة فحسب ، وينطبق هذا الوصف أيضا على بعض الناس ، في حرصهم على حياة بأيّ شكل كان ، وهذا الصنف فيه طبيعة اليهود ، والحرص على حياة ، يدفع إلى التضحية بالمبادئ والأخلاق أحيانا في سبيل التمسك بأي نوع من الحياة . ونتيجة هذا الحرص ، يتمنّى هذا النموذج الأعمار الطويلة ، دون أن يفكر ، فيما عمل في هذه الحياة ، وما حصاده منها ، لذلك فإنّ امتداد أعمار هذا النموذج لن تفيده في زحزحته من العذاب ، وجرس كلمة « الزحزحة » يرسم صورة النموذج وهو يحاول الزحزحة من العذاب المحيط به . وكما رسمت الصورة نماذج العقيدة ، رسمت أيضا نماذج الجنس البشري كلّه ، بما فيه من خصائص فالإنسان مفطور على الإيمان ، ولكنّ الشهوات تحجب هذه الفطرة ، ولا تنكشف هذه الفطرة على حقيقتها إلا في الشدّة . يقول تعالى :
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ