الدواب في الحظيرة « 11 » .
وكذلك تصوير قوم لوط أيضا في هذا النسق القرآني ، يقول الله تعالى :
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ ، نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ ، وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ ، وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ ، فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
القمر : 33 - 40 .
وسبب التدمير هو التكذيب أيضا ، ولكن التدمير هنا هو بالريح الحاملة للحجارة الحاصبة . ثم يبدأ التفصيل بعد هذا الإجمال ، فالنبي لوط قد أنذرهم عاقبة المنكر الشاذ ، ولكنهم شكّوا بإنذاره ، بل إنهم حاولوا الاعتداء على ضيوفه أيضا ، عندئذ طمس الله عيونهم ، فلم يروا أحدا ثم ينتقل التصوير للأحداث من الماضي إلى الحاضر الملموس ، على طريقة القرآن التصويرية ، في إحياء المشاهد لتكون أبلغ في الاعتبار والعظمة ، والتأثير في النفوس
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ
ويكرر هذه الآية ، لتحقيق الغرض الديني من التصوير .
يقول الزمخشري في فائدة التكرار : « فإن قلت ما فائدة تكرير قوله :
فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ ، وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
؟ قلت : فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادّكارا واتعاظا ، وأن يستأنفوا تنبها ، واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك ، والبعث عليه وأن يقرع لهم العصا مرات ، ويقعقع لهم الشنّ تارات ، لئلا يغلبهم السهو ، ولا تستولي عليهم الغفلة ، وهكذا حكم التكرير ، كقوله فبأيّ آلاء ربكما تكذّبان - عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن ، وقوله ويل يومئذ للمكذبين ، عند كل آية أوردها في سورة المرسلات ، وكذلك في الأنباء والقصص في أنفسها ، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب ، مصوّرة للأذهان مذكورة غير منسية في كل أوان » « 12 » .
كذلك تصوير تدمير قوم شعيب بسبب تكذيبهم أيضا . يقول تعالى :
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
الشعراء : 189 .
فقد استظلوا بسحابة ، من شدة الحرّ الخانق ، فكانت هي الصاعقة التي دمّرتهم ، وهم تحتها .
هامش
( 11 ) الكشاف : 4 / 40 .
( 12 ) المصدر السابق : 4 / 40 - 41 .