تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 281

مساهمون:

ص٢٨١
ليحضروا له أخاه فيرجع إخوته إلى أبيهم ، ويقنعونه أن يرسل معهم الأخ المطلوب ، ويوافق أبوهم بعد تردد ، وحين يلتقي يوسف بأخيه ، يعترف له بأنه أخوه ، ويبدأ المشهد الحادي عشر ، بذلك ، ويحتال مرة أخرى عليهم ليبقي أخاه عنده ، فجعل السقاية في رحل أخيه ، ويعود إخوة يوسف بدونه إلا كبيرهم فقد رفض العودة بدونه أو يأذن له أبوه بذلك . ثم يبدأ المشهد الثاني عشر ، بعودة إخوته إليه من جديد وهنا يسألهم يوسف عما فعلوه بيوسف من قبل ، وتنكشف الحقيقة ، ويعرفون أنه يوسف ، ويندمون على فعلتهم ، ويبدأ المشهد الثالث عشر بعودة إخوة يوسف إلى أبيهم بقميصه فألقوه على وجهه فارتد بصيرا ، ثم يبدأ المشهد الرابع عشر بعودة الأب والأبناء إلى يوسف ، واستقباله لهم ، وتذكيره أباه برؤياه التي تحقّقت في هذه الخاتمة للأحداث . فالقصة مبنية بإحكام من حيث البناء القصصي ، فهي ذات موضوع واحد ، وحبكة قصصية محكمة وشخصية يوسف هي الشخصية الرئيسة فيها ، وتدور الأحداث من حولها ، وهي ذات غرض واضح فعناية الله ترافق يوسف منذ أن كان صبيا ، وفي الجبّ ، وفي قصر العزيز ، وفي السجن ، وأن هذه العناية الإلهية به جاءت نتيجة استقامته وتقواه ، فالاستقامة والتقوى تؤديان إلى التمكين في الأرض . ونلاحظ أن بين تصوير الأحداث القصصية كثيرا من الفجوات الفنية المتروكة قصدا ليملأها الخيال بنفسه ، فمثلا يحذف من تصوير الأحداث ، سنوات الرخاء في عهده ، وإدارة يوسف لجهاز الدولة ، كذلك لم تذكر سنوات الجدب ، واكتفي بالإيحاء إليها ، من خلال مجيء إخوة يوسف إلى مصر طلبا للطعام ، كذلك لا نجد تصويرا للملك وحاشيته ونحو ذلك . وأحيانا يلجأ تصوير الأحداث إلى الاعتماد على الصور العنيفة ، والإيقاع الشديد ، والألفاظ الضخمة ، لتحقيق التخويف ، والتأثير الديني ونجد ذلك غالبا في تصوير مشاهد تدمير الكافرين . يقول الله تعالى في تصوير تدمير قوم نوح :
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ، فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ، فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ ، وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ ، وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ، تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 281 | عبد السلام احمد الراغب