تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
يقول الله تعالى :
وَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ، كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ
هود : 94 - 95 . وقد يجمع تصوير الأحداث ، مشاهد متعددة ، لتدمير أقوام مختلفين ، لتحقيق التأثير الديني ، كقوله تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ ، فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ ، وَأَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ ، سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ ، فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ، وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ ، فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً ، إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ، لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ
الحاقة : 4 - 12 . وعلة التدمير لثمود وعاد هي التكذيب بالقارعة أي القيامة ، وسميت بذلك لشدة وقع أهوالها على الآذان والقلوب ، كما أن اللفظة هنا بجرسها الشديد مناسبة لتصوير التدمير ، ثم يبدأ تفصيل مشاهد التدمير ، فثمود أهلكت بصيحة واحدة طوتها من الوجود ، ووصف الصيحة بالطاغية ، يوحي بشدة التدمير المجاوز للحدّ المعروف ، ثم حذف الموصوف وأبقى الصفة « الطاغية » لأنها مناسبة للإيقاع الفاصلة أيضا ، فتحقق بذكرها غرض معنوي وآخر فني ، وتدمير عاد ، مفصّل أكثر ، فقد أهلكوا بالريح الشديدة ، وهي عاتية لتناسب عتوّ عاد وجبروتها ، ويتناول التصوير مشهدهم بعد التدمير بالريح العاتية ، وهم صرعى لا حركة فيهم أشبه بأعجاز النخل الخاوية ، الساقطة على الأرض ، لخواء أجوافها ، وتآكلها . . . ويطول تصوير هذا المشهد بما فيه من هول ورعب ، لتحقيق التأثير النفسي . وصورتهم وهم صرعى ، توحي بالسكون بعد زمجرة الريح الصرصر ، فالتصوير إذا اعتمد في البداية على الصورة المتحركة ، ثم أعقبها بالصورة الصامتة لعرض آثار التدمير في الإنسان في قوله :
فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى
والطبيعة أيضا
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ
بل إنه جعل صورة الإنسان المدمّر تشبه صورة النخل المقعّر المتآكل ، فقد جمع بينهما في التصوير والتعبير ، كما جمعتهما قوة التدمير أيضا . ويمرّ التصوير في هذا النص مرورا سريعا بمشهد تدمير فرعون وجنوده ، وقوم لوط ، ثمّ يتوقف عند مشهد الطوفان ، والسفينة الجارية فيه ، بعناية الله ، للإيحاء بتدمير قوم نوح