تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
في متابعة المشاهد الجانبية للحدث ، وتسلّط الأضواء التصويرية على « يسقون وتذودان » لأن الصورتين للسقاية والذود هما اللتان أثارتا موسى وحرّكتا عواطفه ، وهما توحيان بما سيقع من أحداث لموسى ، لذا نجد موسى يتقدم في المشهد ويسألهما سؤالا معبرا عن شدة تأثره بصورة السقاية الجائرة
ما خَطْبُكُما
؟ فيأتي الجواب مصورا أنوثتهما بما فيها من ضعف وحياء
لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ
ولفظة
يَصْدُرُ
توحي برجوع الرعاء من حيث أتوا ، وهي مقصودة في التعبير لتصوير مشهد الرعاة العائدين بعد السقاية . وقد استخدمت هذه اللفظة أيضا في تصوير رجوع الناس إلى ربهم يوم القيامة ، يقول تعالى
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ
الزلزلة : 6 . لأن مشهد السقاية عارض ، كذلك مشهد الدنيا لذلك اقتضى التعبير استخدام لفظة
يَصْدُرُ
دون غيرها للدلالة على المعنى ، وهذا من روائع التصوير والتعبير الموحي بالمشاهد والمعاني المختلفة . وزادت البنتان في جوابهما
وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ
لاستدرار العطف والحنان . ثم يأتي المشهد الثاني بعد أن سقى لهما
فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ
وهذه الصورة موحية بالمعاني ، فموسى منهوك القوة بعد عملية السقاية ، والجهد المبذول فيها ، فآوى إلى الظل ، مسترخيا مستبردا بنداوته ، وهي صورة متواصلة مع الصور قبلها ، ومترابطة بها . كما أنها توحي بشدة الحرّ ، والتزاحم على المياه في الصحراء ، ثم يطلّ الشعور الديني ، من خلال ضراعة موسى لربه ، وتصوير حالته
رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ . . .
. ثم يأتي المشهد الثالث ، وفيه تصوير لإحداهن ، جاءته تمشي على استحياء وهو جالس في الظلّ ، إنه مشهد حي شاخص ، مألوف ، والصورة تلمس حركة الأنثى ، كما تلمس انفعالها وحياءها
تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ
والفعل المضارع يحيي المشهد وكأنه حاضر ، وترسم خطواتها البطيئة المعبرة عن حركة الحياء الداخلية حتى كأننا نراها في المشهد ، وما هي عليه من الخفر والاستحياء . والحياء يظهر أيضا في قولها :
إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
وهو قول هادئ صريح ليس فيه التواء أو زيادة ، وفيه تركيز على أن الأب هو الذي يدعوه لإعطائه أجر السقاية ، وليس لشيء آخر ويستجيب موسى . وهنا نلاحظ أن موسى يعرض مباشرة