الفصل الخامس القصص الماضية
رأينا في الفصل السابق كيف تناولت الصورة الحوادث الواقعة في زمن الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، مركّزة على بعض الجوانب فيها ، وذلك لإظهار الحقائق الدينية من خلالها .
ولكن الصورة لا تتوقف عند الحوادث الواقعة في زمن نزول القرآن الكريم ، وإنما تتجاوز ذلك ، للتعبير عن الحوادث الماضية ، الممتدة في الزمان والمكان ، عبر تاريخ البشرية الطويل ، وذلك لإبراز موقف البشرية من دعوة الرسل ، وإظهار الحقائق الدينية من خلال التصوير القصصي .
وذلك لأن القصة من أكثر الأساليب الفنية تأثيرا في النفوس ، يرى فيها الإنسان ، ما يراه في حياته من أحداث ، وأشخاص ، وصراع ، وحوار . فسحرت بذلك النفوس ، وأسرت القلوب .
وقد يرجع التشويق في القصة إلى تعدد مشاهدها ، وتنوّع حوادثها ، وتباين أشخاصها ، وطريقتها الفنية في حبك الأحداث ، ونموّها ، وتصوير شخصياتها من النواحي النفسية والجسمية والسلوكية والفكرية ، ونشاط الخيال في ملء فجواتها الفنية بين المشاهد ، والمشاركة الوجدانية لبعض الشخصيات ، وانفعال القارئ بالمواقف والحوادث حين يتخيل نفسه وسط هذه الأحداث والصراع .
لهذا كانت القصة هي الأسلوب المفضّل لدى الإنسان في القديم والحديث .
والقرآن الكريم يراعي هذا الميل الفطري للإنسان نحو القصة ، فيتّخذها وسيلة فنية ، لتحقيق أغراضه الدينية .