تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
على حافة الهاوية ، وتربته رخوة أيضا ، وبلمحة خاطفة انهار في نار جهنم . يقول الزمخشري : « فإن قلت : فما معنى قوله
فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ
؟ قلت : لما جعل الجرف الهائر مجازا عن الباطل قيل : فانهار به في نار جهنم على معنى فطاح به الباطل في نار جهنم إلّا أنه رشح المجاز فجيء بلفظ الانهيار الذي هو الجرف ، وليصور أن المبطل كأنه أسس بنيانا على شفا جرف من أودية جهنم فانهار به ذلك الجرف فهوى في مقرها » « 4 » . ثم يصور القرآن أثر هدمه في نفوس بناته المنافقين
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ
التوبة : 110 . وبعد هدم الصورة الحسية للنفاق ، تبقى الصورة النفسية في الكيد والنفاق والتآمر ، حتى تقطع قلوبهم وتمزّقها أيضا ، وتلقى في النار ، كما انهار بناؤهم في النار . وتتقابل الصورة الحسية للنفاق ، والصورة النفسية عن طريق التماثل والتشابه ، لتحذير المسلمين من صور النفاق المحسوسة ، والصور الخفية غير المحسوسة . وهكذا نلاحظ من تصوير الحوادث التي وقفنا عندها ، أن الصورة القرآنية في نقل الحوادث والوقائع تهمل ذكر أسماء الأشخاص ، وتركّز على تصوير النفوس والطباع ، لتجعلها نماذج ماثلة في الأذهان دائما . كما أن الصورة لا تذكر التفصيلات لكل حدث ، وإنما تركّز على الحقائق الدينية الثابتة ، وتربط الحوادث بقدر الله النافذ كما أنها تجسّم المشاعر الإنسانية تجاه الأحداث ، وتلقي الأضواء على خفايا النفوس ، وتتخذ من هذا التصوير وسيلة للتوجيه ومعالجة النفوس ، وتربية الأمة بالأحداث وصقلها ، وإعدادها حتى تكون في النهاية على منهج الله سلوكا وفكرا وتصورا وشعورا . وبذلك ترتبط الصورة هنا ، بالصور القرآنية الأخرى ضمن نظام العلاقات الفكرية والتعبيرية والتصويرية لتحقيق وحدة الرؤية الدينية لكل القضايا ، والأحداث في هذه الحياة .
هامش
( 4 ) الكشاف : 2 / 215 .