تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
القصة الفنية الطليقة ، لأن القصة القرآنية متميّزة بغرضها الديني ، وخاضعة له « ولكن هذا الخضوع الكامل للغرض الديني ، ووفاءها بهذا الغرض تمام الوفاء لم يمنع بروز الخصائص الفنية في عرضها ، ولا سيما خصيصة القرآن الكبرى في التعبير وهي التصوير » « 4 » . فالهدف الديني هو الغاية من القصة في القرآن ، وليس التأريخ ، لهذا لا نجد فيها تحديدا للأزمنة والأمكنة التي وقعت فيها الأحداث ، كما لا نلاحظ عناية في تصوير السمات الحسية للشخصيات ، وذكر أسمائهم . بل إن الأحداث في القصة ، لم ترد في سياق واحد مجتمعة - ما عدا قصة يوسف - وإنما جاءت موزّعة في أنساق تعبيرية تقتضيها ، لتحقيق الغرض الديني منها . ولكن هذه الحلقات الموزّعة للقصة الواحدة مترابطة ومتناسقة ومتكاملة ، بحيث لو جمعناها ، لتكوّنت القصة متكاملة بأحداثها وأشخاصها وهذا ما يؤكد قيام القصة في القرآن على نظام العلاقات التصويرية والتعبيرية والفكرية . حتى تتكون من ذلك كلّه قصة متكاملة ذات نسيج موحّد ، شأنها في ذلك شأن الصورة القرآنية عامة ، كما رأينا في الفصول السابقة ، ونؤكّده فيما يأتي من فصول قادمة في هذا الكتاب إن شاء الله . وقد أثّر الغرض الديني للقصة في بنائها الفني وتركيبها ، وطريقة عرضها ، وطولها وقصرها ، ورسم شخصياتها . وتأثير الغرض الديني نلاحظه أولا في تكرار القصة ، لتحقيق الغرض الديني ، والتأثير النفسي ، ولكن التكرار لا يتناول القصة بأكملها من بدايتها إلى نهايتها ، وإنما يلتقط منها حلقة من حلقاتها بقصد الإشارة إلى موضع الاعتبار فيها ، ضمن سياق يقتضيه ، مثل قصة « موسى » عليه السّلام التي تعدّ من أكثر القصص تكرارا في القرآن الكريم ، وذلك لأن موسى عليه السلام قريب عهد بالرسالة المحمدية ، وقصته حاضرة في أذهان العرب آنذاك ، والمشابهة بين موقف فرعون من موسى وموقف العرب من رسول الله واضحة ، وهي موحية بالنصر لدعوة الله في نهاية المطاف ، على الرغم من كل الجهود التي بذلها فرعون ، لإيقافها ، وكذلك ستكون النتيجة بالنسبة للعرب مماثلة لإهلاك فرعون وجنوده . كذلك فإن وجود اليهود في مجتمع المدينة المنورة في عهد الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، يقتضي توضيح
هامش
( 4 ) التصوير الفني : ص 143 .