صورة فريدة لهذا الاتصال بين الأرض والسماء ، فالله هنا يسمع شكوى امرأة ، ويقرر حكما شرعيا ثابتا من خلال حادثتها وهو « حكم الظهار » .
ونلاحظ في الصورة الإلحاح على حضور الله ، فهو قد سمع قولها وجدالها ، وسمع أيضا شكواها ، وسمع الحوار الدائر بينها وبين رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وعقب على تصوير الحادثة بأنه سميع وبصير في نفس الوقت ، فهو يسمع كل ما يحدث ، ويراه أيضا .
ويمتاز تصوير الحوادث بالصدق والواقعية بالإضافة إلى ما ذكرناه من سمات .
ففي قصة عبد الله بن أم مكتوم الأعمى ، حين جاء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم يطلب منه أن يعلمه ، وكان الرسول مشغولا مع كبار قريش يدعوهم إلى الإسلام ، فعبس في وجهه ، وأعرض عنه .
نرى هذه الحادثة مصوّرة في القرآن الكريم ، بكل ما فيها من إعراض ، وعتاب ، وتوجيه .
يقول تعالى :
عَبَسَ وَتَوَلَّى ، أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ، وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى ، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى ، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى ، وَما عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى ، وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ، وَهُوَ يَخْشى ، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى ، كَلَّا إِنَّها تَذْكِرَةٌ . . .
عبس : 1 - 11 .
ويعتمد تصوير الحادثة على أسلوب الغائب في البداية ، إكراما لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يذكر في سياق فيه عبوس وإعراض ، كما أن الصورة تجسّم شعور رسول الله في تلك اللحظة بالعبوس والإعراض ، ثم يلتفت بعد ذلك إلى مخاطبته مباشرة مع التوجيه ، وتشتد لهجة العتاب ، حتى تبلغ ذروتها في كلمة الردع والزجر « كلا » .
ومن أشد الحوادث التي عصفت ببيت النبوة « حديث الإفك » وقد صوّر القرآن الكريم ذلك بصدق وأمانة لإبراز الحقائق الدينية من خلال تصويره ، يقول تعالى :
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ
النور : 15 .
هذه الصورة ، ترسم حركة الألسنة والأفواه هنا لأنها آلة الحديث ووسيلته ، كما أن التركيز عليها يوحي بإلقاء الحديث ورميه باستهتار وخفّة ، دون تثبّت أو شعور بأثر الكلمة والأفعال المضارعة المكررة في الصورة ، تحيي المشهد ، وتستحضره من الماضي إلى الحاضر ، لتسلّط الأضواء عليه ، وتبرز الحقائق من خلاله ، وتحذر من هذا السلوك غير المسؤول في المجتمع الإسلامي .
ثم تربط الصورة بين هذا المشهد لهؤلاء الناس الذين تداولوا حديث الإفك بالشيطان ،