تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
الصورة بهذه الكلمات القليلة ، ولا تزيد في التفصيلات لأنّ هذا الحدث من عالم الغيب فلا مجال للخوض فيه . ثم جاء التعقيب بقوله :
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
وكلمة السميع ترتبط بالتسبيح الصاعد إليه وكلمة البصير ترتبط أيضا بجوّ الرحلة في الظلام الساجي ، وبذلك يتناسق تصوير الحدث مع التعقيب عليه . وترتبط حادثة المعراج بالإسراء ، فهي أيضا صورة من عالم الغيب ، نؤمن بها ولا نبحث عن تفاصيل الصورة ومن رحمة الله بالمسلمين أن صوّر لهم هاتين الحادثتين ، وأطلعهم عليهما ، ليكونوا على ثقة برسولهم وبمصدر تلقيه الوحي من السماء . يقول تعالى في معراج الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلى السماء « 2 »
أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى ، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى ، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى ، عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ، ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى ، لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى
النجم : 12 - 18 . وهذه الصورة غيبية شفافة ، ليس فيها تحديد أو تفصيل ، خص الله بها الرسول صلى اللّه عليه وسلم ليكون واثقا من المصدر الذي يتلقى منه الوحي ، وليكون شاهدا للبشر على حقيقة ما رأى من العالم غير المنظور . ولا مجال للحديث في الصورة الغيبية ، لأنها تستمد عناصر تشكيلها من عالم غير محسوس . مثل سدرة المنتهى ، وجنة المأوى - وجبريل ، والآيات الكبرى ، وكلّها مكوّنات غيبية غير محسوسة . ويبقى الأثر الذي تحدثه الصورة في النفوس ، وهو شدة ارتباط الأرض بالسماء ، فكل ما يحدث فيها هو بأمر الله ، وهو مطلع عليه . وبذلك تلقي هذه الصورة الغيبية ظل الرهبة والخوف والمراقبة الدائمة لله سبحانه وتعالى . وهذا ما نراه مؤكدا في تصوير الحوادث عامة . وقصة المرأة التي ظاهرها زوجها وتشتكي إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم وتحاوره ، تؤكّد أيضا ما ذكرناه من اطلاع الله على أفعال عباده ، وأقوالهم ومشاعرهم فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء ، يقول الله تعالى :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
المجادلة : 1 . وهذه الصورة المجملة للحادثة تدلّ على حضور الله سبحانه مع الناس ، وما يصيبهم من مشكلات ، وتدلّ على رعايته وتوجيهه لكل حدث في الأرض ، صغير أو كبير ، وهي أيضا
هامش
( 2 ) صفوة التفاسير : 3 / 273 - 274 .
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 253 | عبد السلام احمد الراغب