تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 252

مساهمون:

ص٢٥٢
ونلاحظ هنا فارقا عما سبق في التوجيه والتربية ، من خلال تصوير النفوس تجاه الأحداث وأثرها في نفوسهم ، فالمحاسبة شديدة في غزوة تبوك ، لأنها وقعت في وقت متأخر من الدعوة الإسلامية ، وقد بلغت التربية مرحلتها النهائية في النضج والاكتمال التي لا يقبل فيها التقصير أو التهاون . أما الحوادث الأخرى غير القتالية التي كانت تقع في المجتمع الإسلامي آنذاك ، فلا يختلف تصويرها أيضا عما ذكرناه سابقا من حيث التركيز على بعض الظواهر أو المشاهد أو الحالات النفسية . . . إلخ لإبراز الحقائق الدينية من خلالها مثل الإسراء والمعراج ، وحديث الإفك ، وتحويل القبلة ، والمرأة التي ظاهرها زوجها ، ومسجد الضرار ونحو ذلك . ونحن لا نريد حصر الحوادث ، وطريقة تصويرها ، لأن ذلك يبعدنا عن عملنا في وظيفة الصورة من ناحية ، ولأن هذا العمل يحتاج إلى بحث مستقل أيضا لكثرة هذه الحوادث الواقعة وقت نزول القرآن من ناحية أخرى لهذا سنقف عند بعضها ، لبيان طبيعة الصورة ، في تناول هذه الأحداث ، ونقلها إلينا ، كما وقفنا عند أبرز الغزوات في عصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، ولم نقف عندها كلّها فيما سبق . ونبدأ بحادثة الإسراء والمعراج يقول الله تعالى :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
الإسراء : 1 . والصورة المرسومة هنا تنقل الحدث من الغيب المجهول ، إلى المشهد المنظور ، وتبدأ عرض الحدث بالتسبيح لله وهو مناسب لجوّ الإسراء وما فيه من إعجاز أو خوارق للعادة ، ثم تبدأ بتحديد الزمان والمكان لهذا الحادث الغيبي ، وكلمة
لَيْلًا
متضمنة في قوله
أَسْرى
لأن السرى لا يكون إلا في الليل ، ولكن ذكر
لَيْلًا
هنا يضفي على الصورة ظلا من الهدوء والسكون زيادة في توضيح الزمان . ويترك للإنسان أن يتصور هذه الحركة السارية في الليل من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، في سكون الليل ويد الله تحمل عبده ورسوله من مكان إلى آخر ، فيشعر بالهيبة والجلال ، أمام قوة الله القادر على كل شيء ، كما أن ربط المسجد الحرام بالمسجد الأقصى ، في هذه الحادثة ، يرمز إلى أن الإسلام هو خاتم الأديان السماوية . وتكتفي
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 252 | عبد السلام احمد الراغب