تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
ثم بعد ذلك تدخّل الله سبحانه ليغيّر اتجاه المعركة
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ
والسكينة شيء معنوي ، يجسّمها بصورة مادية محسوسة ، فتنزل من عند الله ، وكأنهم يلمسونها لمسا محسوسا ، فتطمئن النفوس الخائفة بذلك ، كما أنّ الله أنزل مع السكينة جنودا من عنده ، وهذه الصورة غيبية ، لا نعرف ماهيّتها ، ولا طريقة اشتراكها في المعركة ، تدخل في عناصر تصوير الحوادث كما رأينا سابقا دون تفصيل لها . لأن الغاية منها هي إبراز قدرة الله في تقرير نتائج المعركة وهذا ما نراه واضحا في تصوير الحوادث والمعارك ، وتقرير النتائج . وفي غزوة « تبوك » لا يختلف تصويرها ، عن الخط العام في تصوير الحوادث الواقعية في القرآن ، في التركيز على بعض النقاط البارزة فيها ، لمعالجتها من خلال الرؤية الدينية الثابتة . ففي تصوير هذه الغزوة يتمّ التركيز على الضعف واتخاذ الأعذار لعدم الخروج للقتال ، كما تسلّط الأضواء المصوّرة على الثلاثة الذين تخلّفوا عن الغزوة دون عذر ، وعلى المنافقين وأقوالهم ومعاذيرهم . يقول تعالى في فضح المنافقين :
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ
التوبة : 49 . وصورتهم هنا وهم يتساقطون في الهاوية ، فتتلقاهم جهنم فور سقوطهم وتحيط بهم من كل جانب ، صورة لها مغزاها ، فهذا الاستئذان بلا مبرر ، هو السقوط في الهاوية ، كما أن الصورة توحي بما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة . وترسم الصورة لهم مشهدا مخزيا ، يدلّ على شدة جبنهم ، يقول تعالى فيهم :
لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ
التوبة : 56 - 57 . فهؤلاء جبناء ، ونفوسهم واهنة ضعيفة ، جسّمتها الصورة في حركة حسية سريعة ، ترسمهم ، وهم يحاولون الاندساس في إنفاق تحت الأرض أو مغارات ليختبئوا فيها من شدة خوفهم وفزعهم ، كما أنهم لا يندسّون فيها ببطء وإنما في سرعة الفرس الجموح أيضا ، زيادة في تسريع الحركة التخييلية المعبرة عن جبنهم وخوفهم . وتتواصل صور المنافقين الدالة على جبنهم في السياق القرآني المصوّر لهذه المعركة ،
وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم — صفحة 250 | عبد السلام احمد الراغب